سياسة عربية

تحليل: نتنياهو يقتل في غزة.. ويبتسم في مسقط!‎

استقبل السلطان قابوس في مسقط رئيس الورزاء الإسرائيلي- (مكتب نتنياهو)

بعد يوم من استقباله في العاصمة العمانية مسقط، لم يتورع رئيس حكومة الاحتلال من قتل ستة شهداء في قطاع غزة، في أثناء تظاهرهم السلمي في الأسبوع الثاني والثلاثين من مسيرة العودة الكبرى في نقاط التماس مع جيش الاحتلال.

اقرأ أيضا: 6 شهداء وعشرات الإصابات بجمعة "غزة صامدة ولا تركع"

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي بكل أريحية عبر قناة الجزيرة عن زيارة نتنياهو، ويصف الزيارة بأنها طبيعية من "دولة في الشرق الأوسط" للتحدث عن حل "الخلاف الإسرائيلي الفلسطيني"، كان أبناء قطاع غزة يوارون شهداءهم الستة الثرى، بعد أن قتلهم جنود نتنياهو "الذي جاء ليبحث في عمان إصلاح المنطقة"، بحسب علوي!

 

 

ولعل ما يبدو أنه مفارقة في إقدام جيش نتنياهو على قتل الفلسطينيين ثم قصف قطاع غزة بعد ساعات من زيارته "الحميمة" لدولة عربية، بهدف بحث مساعي السلام، الذي هو في الحقيقة أمر معتاد عليه من قادة الاحتلال وجيشهم، فهذا الاحتلال وقادته لا يرون في لقاءاتهم مع قادة عرب، ولا في أي انفتاح عربي تطبيعي معهم، إلا مؤشرا على أن الفلسطينيين أصبحوا وحدهم في الصراع، وعليه، فإن الاستفراد بهم هو الأصل وليس المفارقة، وإن زيادة العدوان عليهم هو الطبيعي في ظل تخلي الدول العربية عنهم.

وبالإضافة إلى الاستفراد "الإسرائيلي" بالفلسطينيين كنتيجة للتطبيع العربي مع الاحتلال، فإن ما يسعى له نتنياهو هو "كي الوعي" العربي، بإظهار أن حكومته التي ترتكب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني هي "دولة طبيعية في الشرق الأوسط"، وهو ما يتوافق تماما ما قاله وزير الخارجية العماني في لقائه مع "الجزيرة"، الذي أراد أن يروج من خلاله للتطبيع بالقول ما معناه، إن "إسرائيل دولة في الشرق الأوسط" وليس غريبا أن تزور عُمان، بل إن المستغرب هو السؤال عن سبب الزيارة بما أنها أمر طبيعي"!

وفي إطار "كي الوعي" العربي أيضا، يتحول الصراع العربي-الإسرائيلي، إلى "خلاف إسرائيلي فلسطيني"، وكأن الاحتلال موجه فقط ضد الفلسطينيين، وكأنه ليس مشروعا استعماريا يفتت المنطقة ككل، ويساهم في إذكاء الخلافات العربية- العربية، كما أنه يهدف أساسا لمنع قيام أي مشروع عربي نهضوي في الإقليم.

وتأتي هذه الزيارة التي تعتبر أعلى مستوى تطبيعي بين الاحتلال ودولة عربية لا تربطها اتفاقية سلام معه، بعد عام حافل بالأحداث، قتلت "إسرائيل" فيه عشرات الشهداء في فلسطين، وقصفت فيه لبنان وسوريا، واحتفت قيادتها فيه- في نفس الوقت- بوصولها إلى أفضل العلاقات على أعلى مستويات مع الدول العربية، وبهذا "يحق" لرئيس حكومة الاحتلال نتنياهو أن يفتخر يوميا في وسائل الإعلام العبرية والأجنبية، بأنه حقق أعلى مستوى من العلاقات مع الدول العربية.

إن الترويج لفكرة التطبيع مع الاحتلال عبر زيارة عمان، وعبر لقاءات مسؤولين عرب وخليجيين مع مسؤولين عسكريين وسياسيين من دولة الاحتلال، وعبر مشاركات رياضية وفنية تطبيعية في كل من قطر والإمارات، ليست فكرة معزولة عن إجراءات أخرى مستعرة لتغيير الوعي العربي تجاه الاحتلال وتجاه فلسطين، حيث دأبت وسائل إعلام و"نخب" مرتبطة بالسلطة في هذه الدولة العربية أو تلك بالترويج لفكرة أن الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي لا يشكل أولوية عربية، وأن الصراع مع إيران مثلا أو مع تركيا أو مع دول عربية أخرى، هو الأولوية في المرحلة الحالية، إضافة لسعي هذه "النخب" لتغيير التاريخ وتزويره، والإساءة لكل الرموز التاريخية المرتبطة بفلسطين، بل والإساءة للشعب الفلسطيني واتهامه ببيع وطنه، فيما قدم هذا الشعب ولا يزال يقدم أكبر التضحيات منذ قرن كامل لمقاومة آخر احتلال في العالم، في القرن الواحد والعشرين!.


وعلى الرغم من كل هذه المحاولات الرسمية العربية لصناعة "وعي" جديد زائف، وصناعة رواية زائفة حول الصراع العربي-الإسرائيلي، إلا أن ما يطمئن هو أن فلسطين حاضرة في قلوب وعقول غالبية الشعوب العربية العظمى، وأن محاولات التزييف مهما اشتدت، فإن استشهاد فلسطيني واحد، أو صمود امرأة فلسطينية، أو صرخة شيخ فلسطيني في وجه الاحتلال وظلمه، كفيلة بإلغاء جهود سنوات ممن يحاولون صناعة واقع جديد.

الشعب العربي بغالبيته العظمى، لا يزال يرى في القدس بوصلته، وفي فلسطين جوهر صراعه مع الاحتلال، ولا يزال يعرف أن الصراع هو صراعه شخصيا، ووطنيا، وليس مجرد خلاف "إسرائيلي-فلسطيني"، كما يرى السيد يوسف بن علوي وغيره من صانعي السياسة العربية!