قضايا وآراء

الكيان وجبهات الصراع

1300x600
منذ تأسيس كيان إسرائيل لم يمر على هذا الكيان حالة من التهديد وتنامي الخطر الاستراتيجي كالذي يعيشه اليوم.

ولعل ذلك يعود إلى استحداث وتوسع جبهات الصراع حول هذا الكيان وظهور العدو الأيديولوجي وغيره، فإسرائيل تحارب السلاح ومن يحمله في وجهها اينما وجد؛ لأنه يشكل حالة من الخطر الوجودي عليها وتعمل جاهدة على تحييده وتدميره وإفساده، وسنعمل على ذكر اهم الجبهات التي تشكل الخطر على هذا الكيان وكيفية التعاطي معها وبنوع من الاختصار. 

أولاً: الجبهة السورية ولو نظرنا إلى الجبهة السورية، فبعد الثورة السورية، يعتبر الان أحد أهم إفرازات حالة الاقتتال هو الضخ والتواجد الإيراني المعلن في سوريا بهدف مساعدة النظام السوري في العمليات العسكرية ضد المعارضة وأيضا في العراق كذلك الامر، أدى ذلك إلى استقرار القوات الإيرانية في المنطقة خاصة بسوريا، التي حولتها الأخيرة إلى قواعد عسكرية ضخمة ومخازن لحاويات الصواريخ المدمرة كل ذلك حول سوريا إلى ذراع عسكري إيراني.

ومع الشعارات التي ترفع في طهران ضد إسرائيل والمعتقدات الدينية للشيعة بضرورة تحرير القدس من أجل تعجيل خروج المهدي، وبعد القومية والعمل على تعظيم الإمبراطورية ونفوذ إيران من وجهه نظر اسرائيل، تتحول هذه القوة إلى مصدر تهديد وخطر يمسها وقد ينفجر في أي لحظة.

ولعل إسرائيل مارست ضغطا كبيرا على الإدارة الأمريكية بهدف إلغاء الاتفاق الموقع بين واشنطن وطهران لعدم ملائمته بعد التطورات الأخيرة التي كانت لصالح ايران وحلفائها، وضرورة بناء اتفاق جديد يحد من التواجد والنفوذ الإيراني ،ويمنع بشكل صارم من امتلاكها للأسلحة غير التقليدية مع العمل الدائم على توجيه ضربات عسكرية للمواقع والمصانع الحساسة بهدف العمل على الحد قدر المستطاع من نمو هذه القوة، ولكن بحذر ودون الانجرار إلى عمل عسكري واسع لأن ذلك قد يجر المنطقة بالكامل إلى حرب لا أحد رابح فيها. 

ثانياً: الجبهة اللبنانية يعتبر حزب الله هو القوة العسكرية الأكبر وصاحب السيطرة داخل لبنان وبالتحديد بالمناطق الجنوبية ولعل الحزب يعتبر من الفصائل التي لها تبعية لإيران بحكم التشابه الفكري والايديولوجي، ولكن الحزب تقوم فكرته كما هو معروف للشعب اللبناني على تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، ويعمل الحزب بشكل دائم على توسيع وتعميق تواجده، ويعمل على استقطاب الشباب اللبناني وخرطه بعمل المقاومة ورفع مستويات التسليح لديه، واليوم يعتبر الحزب من التنظيمات الأكثر قوة وانضباطاً في المنطقة بل يمكن ان نقول في العالم، وهو أيضا يشكل حالة تهديد خطيرة واستراتيجية على وجود الكيان، تتعامل إسرائيل أيضا مع الحزب بنفس الطريقة السابقة ولكن هناك نوع من التجرأ اكثر والاستعداد لخوض حرب واسعة مع الحزب بهدف تقويضه، وعملت إسرائيل على تجميد تلك الجبهة فمنذ العام 2006، تشهد حالة من الهدوء التام، ولكنها تذهب إلى تكثيف الجهد الأمني ومتابعتها وذلك حسب التقارير الإسرائيلية. 

ثالثاً: جبهة غزة تعتبر من الجبهات التي ظهرت حديثا، كمهدد استراتيجي على إسرائيل هذه الجبهة توصف بأنها من أسرع الجبهات تطوراً، تعود العداوة فيها منذ فترة طويلة كانت دائماً هناك محاولات لعملية انهاء هذه الجبهة قبل الانتفاضة الثانية .

ولكن بعد فوز حركة حماس وسيطرتها على القطاع عملت الأخيرة على التطوير الدائم لقدرتها العسكرية والعلمية، وبسط نفوذ سيطرتها وتختلف عن جبهات التهديد الأخرى بالبعد الايديولوجي كونها تنظيم سني، ولكنها تلتقي في الهدف العام لديهم وهو ضرورة تقويض إسرائيل والعمل على انهائها، ولعل إسرائيل دخلت في العديد من اشكال المحاربة معها وسنعمل على ذكر آخرها.

ففي عدوان 2008 و 2012 و حتى 2014م، عملت إسرائيل على أن تقوم بإلحاق الهزيمة بها والعمل على فرض الشروط كالتجريد من السلاح وغيرها من الشروط المعروفة لدى الجميع، ولكن كل ذلك لم يفلح وفشلت هذه الاستراتيجية في التعامل، بل ورثتهم ملفات خطيرة كملف الجنود المفقودين في حرب 2014م والذي لم يحل للان.

ولكن تتصف هذه الجبهة بأنها الأضعف مقارنة بالجبهات الأخرى أيضا تعتبر هذه الجبهة من الداخل وذات مقربة كبيرة من المدن الإسرائيلية، كل ذلك يجعل عملية تطورها خطر داهم لا يمكن السكوت عنه وهذا ما يفسر كثرة العدوان عليها والعمل الدائم على إضعافها وفرض الحصار عليها، ورغم ذلك عملت المقاومة فيها على تثيبت نفسها وتطوير قدراتها بشكل أشبه بالمعجزة لتعقد وصعوبة البيئة المحيطة بها حتى أصبحت اليوم تمثل خطرا استراتيجيا على إسرائيل يمكن أن يلحق ضررا بالغا بها. 

اليوم إسرائيل تواجه هذه المخاطر على تلك الجبهات بشكل متزامن وأيضا قد تكون بشكل متداخل، وجميعها يمكن وصفها الآن بأنها على درجة عالية من السخونة التي يمكن أن تتطور بها مجريات الاحداث، ففي لبنان وسوريا حالة التسلح غير المسبوقة بالإضافة إلى البرنامج النووي الإيراني، وفي غزة مسيرات العودة وحالة الاستنزاف التي تحدث على الحدود ومستوطنات الغلاف للقطاع بالإضافة إلى ملف المفقودين من جنودها.

تعمل إسرائيل وفق العديد من السيناريوهات وتحاول أن تجزء المشهد وترسم استراتيجيات خاصة بكل جهة على حدة، ولن أسهب كثيرا في الحديث عن جبهة الشمال وسوريا وسأكتفي بما ذكرته سابقا، وسوف أتحدث بنوع من الخصوصية عن جبهة غزة وذلك لأنها الأكثر تسارعا بالأحداث ،يوجد لدى إسرائيل العديد من السيناريوهات المبنية على السياسات المختلفة التي يمكن ان تتعامل بها مع القطاع بعضها تم تطبيقه وبعضها لم يطبق ولكن يمكن أن يتم تطبيقه، سنعمل على الحديث عن هذه السياسات ومحاولة توقع السيناريوهات الأقرب للتطبيق في المرحلة القادمة. 

1)سياسة الانهاء والتقويض للحركة 

وعملت على هذه السياسة الخشنة الغير مرنة في الفترة السابقة، لتقديرها الدائم بإمكانية تحقيقها وضعف هذه الجبهة وتحركت وفق هذه السياسة باستراتيجيتين:

 أ‌) العمل العسكري المباشر كما حدث في 2008 و2012 و2014م، وتعتبر هذه الاستراتيجية قد فشلت فشلاً ذريعاً، ويعتبر عدوان 2014م انتكاسة كبيرة فلم يتم انهاء حركة حماس بل ازدادت قوة أضعاف ما كانت عليه قبل العدوان رغم استمرار العدوان لأكثر من 50 يوم، بل تركت إسرائيل خلفها أبنائها الذين لا تعلم عن مصيرهم أي شيء وبذلك أعطت حماس ورقة قوة، كل ذلك كان نتيجة الإخفاق الأمني وسوء التقدير لدى صانع القرار بإسرائيل، وإزاء ذلك اعتقد أن استحضار التدخل العسكري في القطاع سيفكر به الجيش الإسرائيلي وصانع القرار مئات المرات وحتى إن تم سيكون بشكل محدود وضيق وعالي التركيز. 

ب‌) العمل على خنق حماس مالياً وداخلياً بهدف تركيعها ،ووقف عملية تطويرها واستقرارها، وحث الشارع الغزي للخروج عليها والعمل على إنهاء حكمها من خلال التضييق المباشر على المواطن من محاربة اقتصادية ومنع للكهرباء والماء وغيرها من اشكال الخنق والحصار التي يتعرض لها سكان القطاع منذ أكثر من 12عام، ولكن زادت وتيرتها بشكل كبير جدا في الآونة الأخيرة ولكن يعتبر هذا السيناريو قد فشل فشلاً ذريعاً ؛لأن الشعب الفلسطيني يعي جيدا من يحاصره ويعي جيدا اهداف هذا الاحتلال ،ولما استحكمت المؤامرات على القضية تحركت الجماهير بعشرات الآلاف على السياج الحدودي مع الكيان الإسرائيلي بعنوان مسيرات العودة وكسر الحصار بدعوة من حركة حماس والفصائل الفلسطينية و النخب المجتمعية، فتوجهت كرة اللهب صوب الاحتلال وانفجر الشعب بوجه السجان واظهرت حماس من جديد مدى قوتها وحجم تأثيرها وسيطرتها.

2)الاحتواء:
قد تظهر هذه السياسة بعد فشل المحاولة في انهاء المقاومة في قطاع غزة، وذلك من خلال توقيع هدنة طويلة الأمد وضمان تجميد حالة التسليح لدى المقاومة، وضخ رزم من المشاريع التنموية والاقتصادية الكبيرة للقطاع ويكون ذلك من خلال أشكال وسيناريوهات متعددة.

وبعد هذه القراءات السريعة يجب علينا أن ندرك جيدا أن إسرائيل ورغم التهديد ماضية بشكل كبير في تحقيق أهدافها ومشاريعها وهي تعمل بشكل مستمر على تجميد الجبهات واخراجها من نطاق الصراع واستثمار الوقت والعمل على تحويله لسلاح يعمل معها لا ضدها. 

واعتقد ان إسرائيل ستعمل على سياسة الاحتواء وفق سيناريو "المصالحة" الذي يعتبر مقبولاً لدى الأطراف بالمنطقة وداخلياً أيضا أكثر من فكرة انشاء جسم إداري يدير القطاع تكون حماس من تملك الأرض فيه ولكن أيضا هذه المصالحة يجب ان تكون مصدر تهميش وتضيق لحماس لا مصالحة تحقق عنصر قوة لها، وعلى العموم اعتقد حينها أن الحكومة الجديدة ستعمل على تقديم التسهيلات ونزع حالة السيطرة التي تبسطها حركة حماس على القطاع و التي ستعمل أيضا على إدارة شؤون القطاع والاشراف على المشاريع الدولية فلا خيار غير ذلك للطرف الإسرائيلي والدولي، بالإضافة إلى مراقبة قد تكون دولية لمتابعة حالة التسلح لدى حركة حماس والمقاومة عموماً.

ولكن هل تقبل حركة حماس بذلك؟؟ المشكلة التي تزيد الامر تعقيدا هو ملف الجنود الإسرائيليين المفقودين، فحماس ما زالت متمسكة بشروطها وأيضا الطرف الإسرائيلي ما زال متمسك بشروطه، ولا يريد فصل هذه القضية عن أي طاولة حوار والذي لن يعمل على تجميد هذه الجبهة قبل إغلاق هذا الملف الحساس، وفي ظل حالة التعنت فالخيار العسكري أيضا غير محبذ لدى الطرفين ويوجد لدى إسرائيل صعوبة في اتخاذ ذلك القرار لبعد الراي العام الدولي، وحالة المد والجزر على الجبهات الأخرى والتي يمكن ان تؤثر العملية العسكرية بالسلب عليها إذا كانت نتائجها غير مرضية، وقوة المقاومة الفلسطينية وحجم التأثير العالي بالإضافة إلى حالة التجربة السابقة لهذا الخيار.

ولكنه خيار يبقى حاضراً في ظل حالة عدم المرونة التي يبديها الأطراف، يكون هذا الخيار بالشكل الذي طرح سابقا وهو ضربات عسكرية قاسية وخاطفة ويمكن أن يصاحبه عمل ميداني هذا وفق المعطيات والتقديرات والمعلومات الأمنية، ثم الانتقال بعد ذلك لمرحلة الهدوء يفرض فيها الطرف الغالب شكلها وأغلب شروطها التي تعطي له ميزة الأفضلية الميدانية والسياسية.

-ولكن كما قلنا طالما أن هناك أوراق يمكن التحرك بها بعيدا عن ورقة العمل العسكري سيتم اللعب بها من الطرفين، وباختصار غزة ستذهب للهدوء والاحتواء والعمل على إخراجها من دائرة الصراع لأهداف تتعلق بالطرف الإسرائيلي. 

-ولكن هل سيسبق ذلك الهدوء موجة عنف ام أن هذا الهدوء سيتم الذهاب له بشكل مباشر؟؟ الميدان والعروض المقدمة في ملف الاسرى والحصار هي من ستحدد ذلك.