مقالات مختارة

شهر عسل «السعوديين الجدد» مع إسرائيل

1300x600

ما يخفف عن الفلسطيني آلام جراحه التي تتسبب بها ردود الأفعال ومواقف العرب الرسمية، المخزية والمتواطئة، إزاء الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، والمجازر التي ارتكبها الكيان الاحتلالي ضد المدنيين في غزة لاسيما مجزرة «الاثنين الأسود»، وما يهون ذلك، رغم أن ظلم ذوي القربي أشد مضاضة، تلك المواقف الأخلاقية والمبدئية التي لا تحكمها مصالح ولا مخاوف ولا رياء، المقبلة إلينا من عواصم غير عربية، الداعمة للحق الفلسطيني والرافضة للإجراءات الترامبية والمُدينة للمجازر الإسرائيلية.


إنها حقا مواقف تثلج الصدور، وتؤكد أن العالم لا يزال بخير، وأن حقيقة دولة الاحتلال التي كان يجهلها الكثيرون في العالم، أصبحت مفضوحة، وأن حق الفلسطينيين وعدالة قضيتهم يسحبان البساط من تحتها، مهما حاول المطبعون والمتأسرلون العرب إيهام الناس بغير ذلك. وستظل فلسطين القضية الأولى، إن لم تكن عربيا الآن، فإنها أصبحت عالمية، فردود الأفعال الدولية على نقل السفارة والمجازر في غزة لا تزال مشتعلة. 


جربنا وقوف «الأشقاء» طبعا الأنظمة العربية وليس الشعوب المغلوبة على أمرها، إلى جانبنا على مدى 70 عاما، فماذا كانت النتيجة، فقدان أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين بداية، وبعدها بـ19 عاما فقدان البقية الباقية، فهنيئا لإسرائيل حلفاؤها العرب الرسميون، ونبارك لهم شهر عسلهم، فليجرب بعضهم بعضا، لعل حظوظ الإسرائيليين معهم تكون أفضل من حظوظ الفلسطينيين، كما نتمنى أن تكون آلام العرب أقل من أوجاع الفلسطينيين من سرطان هذه الدولة العنصرية الاستيطانية الاستعمارية الاحتلالية. 


ولكن قبل أن أخوض في تفاصيل أخرى، أود أن أذكر هؤلاء «المطبعين المتأسرلين» بأن الحركة الصهيوينة بنت كل مزاعمها في فلسطين على أنها كانت قبل ثلاثة آلاف سنة أرض اليهود، فكيف يمكن أن ينسوا ما يمكن أن يزعموه من حقوق لهم في المدينة المنورة «يثرب» التي أخرجوا منها قبل أقل من نصف هذه المدة، تذكروا ذلك قبل أن تندموا حيث لا ينفع الندم. علما بأنه جرى تداول تسريبات قبل فترة ليست بالبعيدة، أن إسرائيل ستطالب بتعوضات من النظام السعودي عن أملاك اليهود أيام الرسول. 


وقد أثلج صدري قرار أشهر موسيقار وعازف برازيلي على مستوى العالم وهو غيلبيرتو غيل، إلغاء حفل في إسرائيل. وحسب حركة مقاطعة إسرائيل «BDS» فإن لمذبحة غزة علاقة بقراره. هذه الحركة، وخلال عمرها القصير حققت عالميا، ما عجزت جامعة الدول العربية عن تحقيق 1% منه، رغم مئات ملايين الدولارات التي أهدرت عليها على مدى عقود من الزمن. هذه الجامعة التي قررت معاقبة غواتيمالا لنقلها سفارتها للقدس، بينما اكتفت بالإدانة الخجولة للخطوة الأمريكية.


وأثمرت حملات «BDS» ودعواتها لمقاطعة دولة الاحتلال، ربما بشكل غير مباشر في إقناع المطرب البريطاني بول مكارتني عضو فرقة البيتلز البريطانية السابقة، بإلغاء السفر إلى إسرائيل لتسلم جائزة. وسبقته إلى ذلك الممثلة الأمريكية إسرائيلية المولد نتالي بورتمان، التي رفضت أيضا السفر لإسرائيل لتسلم جائزة قيمتها مليون دولار بسبب الأحداث المؤلمة. تذكروا أنها يهودية وإسرائيلية وقيمة الجائزة مليون دولار، بينما بعض إعلاميين وصحفيين عرب يبيعون أنفسهم بأثمان بخسة، زيارة مدفوعة التكاليف من وزارة خارجية الاحتلال.


تزامن ذلك مع رفع أعلام فلسطين على مقار بلديات مدن فرنسية منها فيلنوف سان جورج وبورجونيه كري، وغيرها تعبيرا عن تضامن المدينة مع الشعب الفلسطيني، في نضاله لنيل حقوقه المشروعة، ودعما له وتكريما لشهداء «مسيرات العودة» في غزة المحاصرة منذ 12 عاما، كما فعلت العاصمة الإيرلندية دبلن. وتتواصل ردود الفعل العالمية، فقد ألغت إندونيسيا إصدار تأشيرات للإسرائيليين، ردا على مجزرة «يوم الاثنين الأسود»، وألغى رئيس الوزراء الفرنسي، إدوارد فيليب، أيضا زيارة كانت مقررة لإسرائيل. وعبرت الفنانة الهولندية الساخرة سانا ووليس دي فريس، عن رفضها وإدانتها للمجازر ضد الشعب الفلسطيني، وإدانتها لنقل السفارة، على طريقتها الخاصة ما أثار ثائرة إسرائيل، التي سارعت كما العادة لرفع بطاقة معاداة السامية وهو ما رفضته القناة التلفزيونية الهولندية. وغيرت دي فريس، كلمات الأغنية الإسرائيلية التي فازت بمسابقة «يوروفيجن» الأخيرة، وهي أغنية لا تستحق هذه الجائزة، لكن ربما قدمت لها لأسباب سياسية وهدية لإسرائيل، في ذكراها السبعين. واستبدلت دي فريس كلماتها بكلمات تتفاخر بعمليات القمع التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وبإجراءاتها في القدس، ونقل السفارة الأمريكية إليها. ولم تنس أن تضع في خلفية الأغنية مقاطع فيديو تظهر جدار الفصل العنصري، وعمليات استهداف المتظاهرين الفلسطينيين في غزة. 


وكما العادة اتهم السفير الإسرائيلي في هولندا أفيف شير- أون، القائمين على الأغنية بمعاداة السامية باستخدام رموز تتعلق بمعاداة اليهود تاريخيا. وردت هيئة البث الهولندية بأن الأغنية شككت فقط في السياسات الإسرائيلية، ولم تستهدف الجاليات اليهودية. وعادة ما تحاول إسرائيل، اتهام منتقدي سياساتها، أو الحركة الصهيونية بـ«معاداة السامية»، لحساسية هذه التهمة خاصة في أوروبا. ويشير هذا إلى أن تهمة معاداة السامية لم تعد ذلك البعبع في أوساط الشباب الأوروبي، الذين لا يريدون تحمل عواقب أخطاء الأجداد.


المواقف التضامنية لغير «الأشقاء» لا حصر لها ولا ننسى في هذا السياق، المظاهرات التي لم تتوقف في الهند، ولا مظاهرات ديار بكر وطهران أو اسطنبول، التي احتضنت أكثر من نصف مليون متضامن تركي، ولكن لا نستطيع أن نتجاهل المظاهرات التي شهدتها العاصمة صنعاء الخاضعة للنفوذ الحوثي، أو مدينة تعز الخاضعة لسيطرة «دولة الإمارات»، فقد خرج اليمنيون كما عادتهم تحركهم مشاعرهم وانتماؤهم لعروبتهم تعبيرا عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، رغم معاناتهم من الجرائم التي ترتكب بحقهم والأمراض المتفشية والمجاعات التي تتسبب بها الحرب العبثية بالوكالة، التي يدفع ثمنها هذا الشعب الطيب العريق.


في خضم ذلك تخرج علينا أصوات نشاز، أصوات لا تكن ولا تهدأ وعلى عجلة من أمرها، لتمهيد الطريق على الأقل داخليا للتطبيع الرسمي المقبل بين النظام السعودي وإسرائيل، عقب فرض ما يسمى بصفقة القرن على الشعب الفلسطيني. وكما يبدو فإن ثمة قرارا رسميا صدر من الرياض لـ«التسخين»، استعدادا لانطلاقة نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب، تحت غطاء الخطر الإيراني.

وسارعت النخبة الإعلامية في الرياض، محاولة ما وصفه البعض بـ«حرث الرأي العام بقوة وتقليب تربة الشعب السعودي لتتقبل زراعة الواقع الجديد». ويندرج في قائمة العار هذه أسماء مثل محمد آل الشيخ، وعبدالحميد الحكيم، وتركي الحمد، وأحمد العرفج ومنصور الخميس، وصالح الفهيد، ومنصور النقيدان، وسامي العثمان. وآخر ما تفتق عنه ذهن محمد آل الشيخ تغريدة جاء فيها: «لو ضربت إسرائيل إيران في عقر دارها ونشبت حرب بينهما، سأقف مع إسرائيل بعقلي ووجداني، فعدونا الأول هو إيران لا إسرائيل، ويجب أن يعرف عرب الشمال (اللي هم نحن) هذه الحقيقة». 


ولم يجد محمد آل الشيخ من يستحسن قوله ويدعو الله بأن يحفظه وأهله سوى الكاتب الصهيوني اليميني المتطرف إيدي كوهين، الذي رد بتغريدة مشيدا بما كتبه: «حفظ الله آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، هذه هي الأصالة التيمية المعهودة في نجد العزيزة، شكرا لك أيها الكاتب الألمعي، نحن وأنتم في الخندق نفسه». ولم ينس كوهين أن يضع في نهاية تغريدته أعلام السعودية وإسرائيل وأمريكا معا.


لنسلم جدلا أن الشعب السعودي يريد حقا التطبيع مع دولة الاحتلال لمواجهة العدو الوهم «إيران»، وإذا كان الخطر الإيراني حقا محدقا بهم فإنهم ليسوا بحاجة لإسرائيل، فليواجهوه بأنفسهم وحلفائهم، عندئذ سيجدون الشعب العربي بأكمله يقف وراءهم. ولكن الظاهر أن الخطر ليس إلا جزءا من مؤامرة إنهاء القضية الفلسطينية.


ولنفترض أيضا أن هناك حقا خطرا إيرانيا يداهم المملكة، وأنها بحاجة لقوة كالقوة الإسرائيلية لمواجهته، فليتحالفوا ولكن ليس على حساب فلسطين، تقولون إن إيران هي الخطر، ونحن نقول إن إسرائيل كانت ومازالت وستظل الخطر الذي لا يحيق بالقضية الفلسطينية فحسب، بل بمجمل المنطقة العربية، نحن مختلفان اتركونا وشأننا وسنترككم وشأنكم، ولا تتدخلوا بشؤوننا ولن نتدخل بشؤونكم. 


نحن لسنا بحاحة إليكم لكنكم أنتم بحاجة لغطاء فلسطيني حتى تبرروا لشعوبكم خياناتكم لقضيته، ولن تجدوه حتى لو حرثتم الكرة الأرضية بما فيها «دولة الإمارات العظمى».


وأخيرا، إذا كان كل ما تقدم لا يكفي فربما تجدون بالتالي ما يستفز مشاعركم. ففي الوقت الذي كان فيه جيش الاحتلال يذبح الفلسطينيين، كان قادة أسلحة الجو من بعض الدول العربية يصافحون في تل أبيب مجرمي الحرب الملطخة أياديهم بدماء الفلسطينيين.

 

القدس العربي