قضايا وآراء

الدعم العربي للأنروا.. وجه آخر للقصة

1300x600
في العام 2016 لم تبلغ تبرعات دولة قطر للأنروا أكثر من مليون دولار (في 2017 لم تذكر بيانات الأنروا أي تبرعات لدولة قطر)، وتركيا مبلغ 1.5 مليون دولار فقط، حينها كانت جمعية خيرية مثل هيئة الإغاثة الإسلامية؛ قد تبرعت بمبلغ يعادل حجم تبرعات الدولتين معاً. أي أن الدولتين الملتزمتين بالقضية الفلسطينية سياسيا كانتا الأقل سخاء؛ مقارنةً بدول عربية أخرى تقف في محور مقابل سياسيا، مثل السعودية التي بلغت تبرعاتها للأنروا في 2016 أكثر من 148 مليون دولار، فيما الإمارات العربية المتحدة تبرعت بما قيمته أكثر من 16 مليون دولار في العام نفسه. مفارقة عجيبة وتدعو إلى قراءة متأنية للمشهد، خصوصاً وسط الضوضاء التي يثيرها غوغاء السوشال ميديا وكتّاب آخرون حول منّة الدعم المالي للفلسطينيين.

كنا ولا زلنا كفلسطينيين نطالب الدول الكبرى بتحمل العبء المالي في دعم الأنروا، كأحد أبسط انعكاسات المسؤولية الدولية عن نشوء قضية اللاجئين. وفي مراحل تاريخية متعددة، كانت بعض الأصوات تطالب بأن تتحمل الدول العربية مسؤولية الدعم. لكن المطالبة بدعم عربي للأنروا لا يمكن أن يكون بسبب عجز الدول الكبرى عن تحمل مليار دولار (يزيد أو ينقص) هو موازنة الوكالة الدولية، ولذا فهو يطرح خلفه سؤالا مشروعا: لماذا نريد من الدول العربية تحمل عبء مالي عن دول كبرى لا يعني لها مليار دولار أو اثنان شيئا ذا قيمة مقارنةً بإمكانياتها الضخمة؟

على الرغم من قلة نسبة الدعم العربي، مقارنة بالدعم الأمريكي والكندي والأوروبي للأنروا، إلا أن اتجاهات هذا الدعم كانت ترتفع وتنخفض بشكل مناقض للوضع العام للمانحين. فالدعم العربي يرتفع فيما يتراجع الدعم الغربي، لا الأول ينسجم مع سياسات التعامل العربي الرسمي مع الفلسطينيين وقضيتهم، ولا الثاني ينسجم مع تطور القيم الإنسانية والإمكانيات الاقتصادية التي نضجت لدى الغرب أكثر من أي وقت مضى. إذن ما سر هذا اللغز؟ أو ما سر الكرم العربي الرسمي الذي عزّ منذ أيام حاتم؟

لقد استجابت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحديدا لنداءات الأنروا، وتزايد الدعم المالي السعودي والإماراتي للوكالة بشكل تصاعدي، خصوصا في العقد الأخير. فقد انتقلت السعودية من المانح رقم 17 للأنروا في العام 2008 إلى المانح رقم 2 عام 2016، متقدمة على اليابان وألمانيا وبريطانيا. وتراجعت النروج وهولند وكندا من الترتيب رقم 4 و5 و6 على التوالي عام 2008 إلى الترتيب رقم 8 و9 و10، على التوالي، عام 2016. كذلك الإمارات العربية المتحدة التي لم تكن ضمن ترتيب المانحين العشرين الأوائل عام 2008، لكنها تقدمت إلى مرتبة المانح رقم 11 عام 2016. وهنا يصعد سؤال إشكالي حول كيفية التوفيق بين المواقف الرسمية لهذه الدول من القضية الفلسطينية ودعم وتمويل الفلسطينيين، وبين الالتزام بتمويل الأنروا كوكالة مهمتها دعم الفلسطينيين؟ وهذا السؤال مطروح في سياق الدعم أو التخلف العربي والإقليمي تجاه الأنروا.

أول ما يمكن قوله هو أن الأنروا ليست القناة الوحيدة من أجل دعم الفلسطينيين، خصوصا عربيا، بل إنها في هذا الجانب قد تكون الأخيرة؛ لو ربطنا دعم الوكالة العربي بالتداعيات السياسية المحتملة والخلفيات التي يطول الحديث عنها. لكننا سنوجز هذه النقطة بأن تحويل قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى مشكلة عربية المنشأ وعربية الحل، كما تتبنى الرواية الإسرائيلية، هو مشروع يمر عبر تحويل الأنروا إلى مؤسسة عربية الدعم.

قد نُعتبر مغردين خارج السرب، وسابحين في تيار معاكس للتوجه العام الذي يطالب الدول العربية اليوم بموقف يواجه التهديد الأمريكي بوقف تمويل الأنروا، لو قلنا إن الدعم العربي للأنروا قد لا يقل سلبية في تأثيراته الاستراتيجية عن تلك الغربية التي تهددنا بالتوقف عن التمويل، وقد وصل اللاجئ الفلسطيني إلى حالة من ابتلع السكين، حيث لا خيارات. فحالة الاحتضار الذي تعيشه الوكالة الدولية اليوم قد تبدو نهاية مرحلة وحسب، كان فيها المجتمع الدولي (كمسؤول فعلي عن نشوء قضية اللاجئين عام 1948) هو الذي يتحمل عبء تمويل الأنروا؛ للتغطية عن التقصير الفاضح عن وقف الكارثة الإنسانية بحق الفلسطينيين قبل 70 عاماً. المرحلة الجديدة هي مرحلة طالبت بها عديد من الحكومات الصهيونية وسعت إليها منذ عقود، وتتمثل في نقل المسؤولية الأممية عن قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى الكاهل العربي؛ لتعزيز الرواية الصهيوينة بمسؤولية العرب عن نشوء المأساة، وبالتالي مسؤوليتهم عن حلها.

لقد تبنت السعودية والإمارات العربية المتحدة قناة رئيسية - وربما وحيدة - من أجل دعم الفلسطينيين، وهي الأنروا، بينما اختارت دول أخرى، مثل قطر وتركيا، قنوات أخرى متعددة يمر غالبها عبر أذرع هذه الدول الخاصة من مؤسسات أو وزارات وهيئات حكومية من أجل دعم الفلسطينيين. فلقد تعهدت قطر بأعلى قيمة في مؤتمر إعادة إعمار غزة الذي انعقد بعد حرب العام 2014، حيث بلغ التعهد مليار دولار (اقترب من خمس القيمة الإجمالية التي بلغت قرابة 5.4 مليارات من جميع الدول). وفي الوقت الذي حال الحصار دون تنفيذ التعهدات القطرية، فإن الدوحة لم تنتظر فرج المحاصرين، وإنما قامت عبر أذرعها الحكومية وغير الحكومية؛ بإنفاق ما قيمته 650 مليون دولار في غزة وحدها، بين العامين 2014-2016، ولم تعتبر ذلك جزءا من تعهدها السابق. أضف إلى ذلك، أن المؤسسات الخيرية القطرية أنفقت الملايين في القدس والضفة الغربية ومخيمات اللجوء في لبنان وسوريا وشمال سوريا وجنوب تركيا، فيما قدمت نفسها كحل مالي في أزمات متعددة لها علاقة بمشكلة الموظفين - مثلا - التي حال الكيد السياسي دون تنفيذها، وكانت الطرف العربي الوحيد الذي قدم تعهدات مالية لفكفكة العقد التي واجهت المصالحة الفلسطينية. أما تركيا، فحدث ولا حرج عن المكاتب الدائمة للمؤسسات التركية الحكومية وغير الحكومية في قطاع غزة ومخيمات اللجوء؛ التي تنفذ مشاريع سنوية بعشرات الملايين من الدولارات، عدا عن تعهدات أنقرة المتكررة لحل مشاكل تقنية بتكلفة مئات ملايين الدولارات، مثل الكهرباء في قطاع غزة إن سمحت الظروف السياسية بذلك. كل هذا لا ينقص من قيمة الدعم غير الحكومي الذي يأتي من دول أخرى، منها السعودية والإمارات وغيرهما من الدول الخليجية، إلا أن المقاربة هنا تتعلق في التفسير السياسي للسخاء الرسمي العربي في قنوات دون أخرى، ليس انتقاصاً من قيمة أي دعم، وليست دعوة لوقف دعم الأنروا، لكنها مجرد محاولة لفهم التناقضات في إطار تحليلي معقول. وبالتأكيد، فإن الوكالة ككيان مستقل لا تتحمل وزر أي مشاريع سياسية لإعادة إنتاج هويتها، بل إن الأنروا تقوم بمهامها المهنية وفقاً لاستحقاقات التفويض الممنوح لها والالتزامات المالية المتوجب عليها تأمينها.

إن تحويل الأنروا لمؤسسة عربية لا ينهي قلق الإسرائيليين، حيث ستبقى الأنروا شاهدا تاريخيا على بقاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وستبقى قضية اللاجئين عثرة التصفية السياسية للقضية الفلسطينية. وستسعى "إسرائيل" لدى حلفائها العلنيين والسريين من أجل قتل المؤسسة نهائيا، وهو دور يجيده العرب أكثر من أي دور آخر. قد نسمع حول تسمية مفوض عام جديد للأنروا من إحدى الدول العربية، وقد نحتفل حينها، وليس هناك ما يمنع العربي من تولي منصب رفيع كهذا بالتاكيد، لكنها هذه الخطوة في سياق الزمن وتقلباته السياسية؛ قد تكمل صورة بدأت حين تم نقل مقر الأنروا الرئيسي من فيينا إلى عمان بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.

سيكون مقبولاً من قطر وتركيا أو غيرها أن تتبرع إحداها بمليون أو اثنين فقط للأنروا؛ إذا كانت ستنفق ألف ضعف وأكثر من أجل الفلسطينيين عبر قنواتها الأخرى. سنقبل المقارنات المالية لو كانت في كافة الجداول لا في بيانات الأنروا فقط. سنقر كفلسطينيين بأننا ممتنون لكل من دفع دولارا لإنقاذ طفل أو بناء منزل مدمر أو علاج جريح (ونحن كذلك في كل الأحوال)، إن أقر آخرون أن الجريح واليتيم والمهجّر الفلسطيني دفع ثمن تموضعه في حزام العرب الأمني ضد التهديد الأول والرئيس، ضد كينونة العرب وهويتهم المتمثل بالكيان الصهيوني وحده، الذي كان ولا يزال وسيبقى عدو العرب مهما قدموا من حسن النوايا.