أفكَار

هل اعتماد مرجعية المذاهب الأربعة يفكك مقولات الغلاة؟

مسجد

تجددت في الآونة الأخيرة الدعوة إلى اعتماد المذاهب الأربعة كمرجعية فقهية لأهل السنة، باعتبارها مذاهب محررة تحريرا دقيقا، تتابعت على خدمتها عبر العصور أجيال من الأئمة والعلماء الأفذاذ.


وتأتي هذه الدعوة كتوجه من بعض المؤسسات الدينية الرسمية، وكليات تدريس الشريعة، لضبط الفتاوى الدينية، ومحاصرة الأقوال الفقهية الشاذة، ونبذ المناهج المستحدثة بحسب باحثين. 


ووفقا لعميد كلية الفقه المالكي التابعة لجامعة العلوم الإسلامية العالمية في الأردن، وليد الشاويش فإن "المذاهب الأربعة تعتبر صوابا في الجملة، ومجمع على مرجعيتها في الجملة كذلك، وهي تحظى بالقبول عند الأمة على مر العصور المتطاولة، فهي في مجموعها علامة على السنة، والاتباع للسلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان". 


وأوضح الشاويش لـ"عربي21": "أنه لا يفهم من قول أنها مجمع عليها في الجملة أن كل حكم فيها مجمع على صحته بعينه، بل مجمع على قبوله من الاجتهاد المعتبر، فهو متردد بين أجرين للمصيب، وأجر للمخطئ، ومن ثم لا يعني قبول الأمة لهذا الاجتهاد أنه معتبر، أنه مقطوع بصحته عند الله تعالى، لأنه سبحانه استأثر بالصواب عنده ابتلاء للمجتهدين، وإظهارا لفضلهم عنده، وعفا عنهم في إصابة الحق الذي استأثر به". 


وجوابا عن سؤال: ما مدى دقة حصر مرجعية أهل السنة الفقهية في المذاهب الأربعة، أكدَّ الشاويش أن الحصر ليس دقيقا، ولا نقول أن القول الفقهي المخالف للمذاهب الأربعة باطل، ولا ينبغي هدر الاجتهادات الفقهية خارج المذاهب الأربعة وتسفيهها". 


وأضاف "واتفاق المذاهب الأربعة لا يعني إجماعا تحرم مخالفته، بل إن كثيرا من المسائل المعاصرة ليست منصوصة أصلا في فقه المدارس الأربعة، ولكن يمكن أن تخرج عليها، وعلى طرقها في النظر والاجتهاد". 


وأرجع الشاويش أهمية اعتبار المذاهب الأربعة هي المرجعية الفقهية الأساسية عند أهل السنة، لكونها مذاهب محررة تحريرا دقيقا، خدمتها أجيال من الأئمة والعلماء، كما تتأكد هذه المرجعية في ظل فوضى المرجعية في الفتوى في عصرنا هذا، حيث طغت المرجعية الحزبية والجماعية على المرجعية الفقهية..".


ونفى الشاويش أن تكون الدعوة إلى اعتماد مرجعية المذاهب الأربعة ذريعة لتفكيك أي اتجاه ديني آخر، لأن تلك المذاهب موجودة وقديمة، وليست مستحدثة وجديدة حتى يقال أنها باتت تستخدم كوسيلة لمهاجمة أي اتجاه ديني.  


ولفت الشاويش إلى أن المذاهب الأربعة ذات أسانيد متصلة، على عكس المذاهب والاجتهادات الفقهية الأخرى، التي لم يخدمها تلاميذ أئمتها، ولم يقوموا بواجب نقلها وتحريرها، فهي منقطعة كالمذهب الظاهري مثلا، وغير مخدومة كما حظيت المذاهب الأربعة بذلك. 


وانتقد الشاويش ما يردده بعض طلبة العلم من أن الأفضل الرجوع إلى السنة مباشرة، فهما وعملا، مبينا أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا من رسول الله أمورا وأحوالا تجعلهم أقدر على الفهم منهم، وعلم التابعون من أقوال أصحاب النبي وأفعالهم ما يجعل التابعين أكثر قدرة وهكذا.. ثم أصبحت المدارس الأربع أنهارا تنبع من بحر علم الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، تجري في أرجاء هذه الأمة ترويها من فقه السلف". 


وتابع أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله قوله "حظيت المذاهب الأربعة بالقبول والإجماع ما لم يكن لغيرها، فكانت هي الأولى بالعناية، والأوفق بالرعاية، لمن أراد أن يأخذ عن سلف الأمة مجتمعة، فبالإضافة إلى أن هذه المدارس مجتمعة تمثل عين الشريعة، فإنها أيضا بمجموعها لا بأفرادها تمثل عين فقه السلف".


من جهته، رأى الباحث في الدراسات الإسلامية، عبد الله الجباري الحسني، أن "مرجعية أهل السنة الفقهية في الأصل ليست منحصرة في المذاهب الأربعة" واصفا "الحصر بتحجير ما جعله الله واسعا".


وأشار الباحث المغربي الحسني إلى أن "بعض الآراء خارج المذاهب الأربعة تكون في بعض الأحيان أقوى دليلا، كما إن حصر المرجعية في الأربعة دعوى لا حجة لها، وأحيانا وقع أصحابها في غلو وتعسف". 


وذكر أمثلة لذلك بما قاله العلامة الصاوي المالكي "بعدم جواز تقليد غير الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية"، واصفا لهذا القول بـالغلو، بل زاد غلوا حين قال "فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك إلى الكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر".


وردا على سؤال: "لماذا عمل فقهاؤنا القدامي على تثبيت وترسيخ هذه الدعوى (مرجعية المذاهب الأربعة)؟"، أوضح الحسني لـ"عربي21" أن وجه ذلك كما قال غير واحد هو أن المذاهب الأربعة هي مذاهب محررة، وأحكامها مستقرة، وقواعدها واضحة يمكن التخريج عليها.. إلخ، بخلاف المذاهب الأخرى".

وناقش الحسني ذلك التوجيه بأنه غير مسلم، لأن المذهب الظاهري مذهب محرر أيضا، وقواعده معروفة، وجهود ابن حزم في هذا الباب تذكر ولا تنكر، متسائلا: "فلماذا لم يخمسوا به؟".


ولفت الباحث المغربي إلى أننا "قد نلمس بعدا غير علمي في هذا الحصر، لعله كان ذا خلفية ما، فعند المتقدمين كان غير المنتسب إلى المذهب يحرم من جملة من الوظائف كالقضاء والشورى والحسبة والإشهاد والخطبة والإمامة، لذا كان علماؤنا يتحرجون من الخروج عن المذهب". 


وأضاف "وقد تعرض بعض دعاة الاجتهاد إلى التشنيع والتشهير، ما جعل بعض العلماء يحجمون عن ادعاء الاجتهاد خوفا من التيار العام في المجتمع، وفي عصرنا كثيرا ما تم التضييق على جماعة من العلماء، وتستند السلطة في تضييقها عليهم بذرائع متعددة، منها مخالفة المذهب والخروج عليه".


وذكر الحسني أن "اتفاق الأئمة الأربعة أو المذاهب الأربعة ليس حجة، والحجة في الإجماع، وهو اتفاق العلماء، وليس اتفاق الأربعة" مشيرا إلى "أن بعض الأحكام في المذاهب الأربعة ليست موافقة للدليل، ما حمل بعض العلماء على تأليف كتب فقهية مرتبطة بأدلتها".


ونبه الباحث المغربي"أن لبعض العلماء المعاصرين اجتهادات مخالفة للمذاهب الأربعة وهي اجتهادات وجيهة، مرتبطة بالدليل وبمقاصد الشرع، مثل اجتهادات العلامة رشيد رضا، والشيخ عبد المتعال الصعيدي المصريين، أو اجتهادات العلماء الصديقيين الغماريين في المغرب، أو أستاذنا العلامة أحمد الريسوني.. وغيرهم" على حد قوله.


وانتهى الحسني إلى القول "وهذا لا يعني بخس المذاهب الأربعة حقها والحط من قدرها، بل فيها خير كثير، وجهود أصحابها تراث للأمة من دون شك". 


في السياق ذاته أكدَّ أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في الجامعة الأردنية، عبد الله الكيلاني احترامه للمذاهب الأربعة، واصفا إياها بأنها "مدارس في فهم النص الشرعي". 


وانتقد الكيلاني مسلك أولئك الذين يحطون من قدر المذاهب الأربعة، ويشنعون عليها، مشيرا إلى أن "المرجعية الفقهية أوسع من المذاهب الأربعة، فهناك اجتهادات الصحابة والتابعين وأئمة كبار آخرين غير مذكورة في المذاهب الأربعة، فإذا قيدنا أنفسنا بها ضيقنا على أنفسنا كثيرا".


واعتبر الكيلاني أن الدعوة إلى اعتماد المذاهب الأربعة كمرجعية فقهية أساسية لأهل السنة في هذا الوقت ليست عملية، مبديا تخوفه من تمرير مشاريع مريبة باستخدام تلك الذريعة. 


وأبدى الكيلاني تحفظه على ما يردده كثير من المذهبيين في دفاعهم عن مرجعية المذاهب الأربعة، وطرح أقوال المذاهب الأخرى جانبا، مبينا أننا "قد نجد أقوالا فقهية خارج المذاهب الأربعة أنسب لعصرنا".


ومناقشة لما يقال من أن تجديد الدعوة إلى اعتماد مرجعية المذاهب الأربعة جاء في سياق الجهود المبذولة لتفكيك مقولات التشدد الديني، ومواجهة الغلو والتطرف، لم يستبعد الكيلاني أن يكون هناك من قدم نصائح من أن اعتماد الفقه المذهبي يصلح لمواجهة التشدد والغلو والتطرف.


وختم الكيلاني حديثه معلقا على ذلك بقوله: "تفكيك مقولات التشدد والغلو، والتصدي لها لا يكون باعتماد الفقه المذهبي كمرجعية فقهية، وإنما بتشكيل العقل المسلم الواعي، وبناء المسلم الفاهم لدينه بنصوصه ومقاصده، والمدرك في الوقت نفسه لما يجري في واقعه وعالمه الذي يعيش فيه".