مقالات مختارة

مصر بين شراء الوهم وبيعه

1300x600

عندما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع ومرشحا للرئاسة، كتبت في هذا المكان نفسه في مايو 2014 عما أسميته وقتها «غياب البرنامج وشراء الوهم». كان الاهتمام في تلك اللحظة مرتبطا بإعلان السيسي عن عدم وجود برنامج لحملته الانتخابية، على الرغم من كل ما سبق تصريحاته من أحاديث عن لجنة إعداد للبرنامج، والأسماء الكبرى التي تشكلها.

اعتبر السيسي أن الشعب الذي اختاره وفوضه مسؤولا عن قرار ترشحه، وأن تلك الحالة التي ترتبط بكل ما سبق الانتخابات ومهدت لانتخابه، بوصفه رئيس الضرورة، كافية لانتخابه بدون برنامج مع تحميل الشعب المسؤولية في اللحظة والمستقبل. 

كان البرنامج في تسويقه وإعلان غيابه كاشفا عن حالة الوهم القائمة، فالجماهير كانت مطالبة بشراء الوهم الذي لا يمكنها أن تحاسب أحدا عليه لأنه مجرد وعود مرسلة وكلام عام يسهل التلاعب به، وتصريح السيسي في تلك اللحظة عن غياب البرنامج، كان كاشفا عن كيف يتم اختراع الوهم وتغليفه وبيعه قبل أن نكتشف أنه مجرد «فنكوش» كبير.

وفي السياق نفسه تمت الإشارة لجهاز علاج الإيدز، المعروف باسم جهاز العلاج بالكفتة، بكل ما ارتبط به من أجواء الإعلان والاختفاء. ولكن بعد سنوات على تلك التصريحات والوقائع، يأتي السيسي ليتحدث في افتتاح عدد من المشروعات التنموية في منطقة قناة السويس يوم 23 ديسمبر 2017، عن أنه لا يبيع الوهم، ليعيد حديث الوهم إلى الواجهة قبل أيام قليلة من نهاية العام وبداية عام الانتخابات الرئاسية المفترضة في 2018.

بدأت القصة بوهم مغلف وجد من يشتريه، واستمرت عبر تغليف متجدد للوهم من مرحلة إلى أخرى، ومادام هناك مشتر فهناك عرض. تتطور العلاقة على طريقة الاستعداد لشراء الوهم، بما ينتج طلبا يقابله عرض متجدد، ولأن العرض يتم شراؤه، فالمزيد من الطلب يتولد ومعه المزيد من العرض. 

تبدأ بترويج سلعة غير موجوده على طريقة الفنكوش، ثم تجد من ينتظر ويشتري مقدما، وبدون تحفظات أحيانا، أو بتحفظات لا تغير من جوهر الحقيقة، في ظل سيطرة الصوت الواحد الذي يروج الوهم عند صناعته، ويروج له عند فشله، ويرى في الشيء وعكسه إنجازا تاريخيا. يستمر الطلب ويستمر العرض في دائرة من بيع وشراء للوهم، يبدو أننا نشارك فيه جميعا بنسب، وندفع مع الوطن ثمن وجوده وسيطرته على المشهد بنسب، في حين يدفع الوطن الكثير في اللحظة والمستقبل.

يتحدث السيسي عن أنه لا يبيع الوهم، ويتحدث عن حماية وتنمية سيناء، ويلمح بشكل غير مباشر لعدم وجود صفقات ومخططات تتعلق بسيناء وتثير القلق حولها، متجاوزا أن التنازل عن تيران وصنافير بما أحيط به من إدارة وتنفيذ أكثر من كاف لإثارة المخاوف، واحتمال أن يكون الحديث عن نفي بيع الوهم والمطالبة بالثقة مجرد وهم آخر.

يأخذنا السيسي منذ بدأ في إثارة ما سماه استعادة أراضي الدولة، للحديث غير المباشر على أنه لا يفرط، وهو يؤكد بصور مختلفة على أنه يدافع عما هي أراضي مصر، ولأن تيران وصنافير، من وجهة نظره، ليست أراضي مصرية، فمن الطبيعي إلا يدافع عنها أو يحتفظ بها، متجاوزا عن الوطن وبعض مؤسساته القضائية، وعن القسم الدستوري الخاص بالسيادة وحماية وحدة الأراضي المصرية. طريقة أخرى في الصياغة تثير المخاوف لأنها تفتح بوابة اكتشافات جاهزة لدولة سيكتب التاريخ كيف تحالف العديد من مؤسساتها الرسمية ووسائل إعلامها للتنازل عن أراض تمتلكها وتقع تحت سيادتها، بدون مبرر إلا اتفاقات الغرف المغلقة، وحديث الفرد الذي يؤكد أن الشعب عليه أن يستمع له ويتوقف عن الحديث عن الجزر بأمره.

يتجاوز السيسي وعودا أخرى خلال حكمه، ومنها الأشهر الستة التي طالب الشعب بأن يقف بجوار مصر خلالها، قبل أن تمر وأشهر أخرى بعدها، بدون أن تتحسن الأوضاع، وبدون أن يحاسب أحد أو يرى أن هناك سببا لتوضيح مطالبته بتلك الفترة، أو عدم تحقق ما وعد به خلالها. 

 

ولكن من قال إن المسؤول في عالمنا الذي نعرفه مطالب بأن يفسر ويبرر؟! تبدو تلك نفسها حالة من تصور الوهم على طريقة قصص المكانة والإنجازات التي يصر عليها البعض، ومحاولات البعض تأكيد هذا عبر تحويل المشاكل إلى قضايا تتعلق بالأفراد، وكأن الدولة ليست إلا مشاهد خارجي. يتحول ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وفقا لخطابهم، إلى تعبير عن جشع التجار متجاوزين عن سياسات الدولة وما أدت إليه من انخفاض قيمه العملة ورفع أسعار مصادر الطاقة والكهرباء، مع تخفيض الدعم وتراجع دور الدولة بما ساهم في زيادة المعاناة. ناهيك عن الاستمرار في تقديم مشروعات ضخمة تمتص موارد الدولة وتوجهها إلى أوجه إنفاق غير ضرورية، خاصة في اللحظة مثل مشروع قناة السويس الجديدة والعاصمة الإدارية وغيرها الكثير..

هذا المواطن المطحون نفسه يطالبه السيسي بأن يتحمل من أجل مشاريع أخرى، لا يرى المواطن مردودها بالضرورة، وهو يؤكد على ضرورة رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق أكثر من ثلاثة أضعاف سعرها الحالي (جنيهان)، وهو الأمر الذي سارع وزير النقل للتأكيد عليه باسم الصيانة والخدمة، مؤكدا في 25 ديسمبر على أن التذكرة سترتفع حسب عدد المحطات لتصل إلى 6 جنيهات للخط الكامل. تبدو بوضوح كيف تعمل الدولة عندما يحكم الفرد وتغيب المؤسسات، وكيف يسهل تنفيذ مثل تلك الأفكار عندما تتعلق بأن يدفع المواطن وليس العكس، وكيف يواجه الرئيس الشعب من مدخل ضرورة الدفع، ولكن عندما يتعلق الأمر بدور الدولة يسارع لتأكيد «أننا فقرا قوي» وأنه «مش قادر» لأنه لا يملك.

 

بدورها كانت وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر سرعة في التعبير عن الغضب، وكشف جزء من حقيقة الأوضاع تحت السطح، وذكر البعض السيسي بأننا - الشعب هنا- «فقرا قوي»، في حين قارن البعض الآخر بين ما يتم إنفاقه على المؤتمرات الشهرية والعاصمة الجديدة وغيرها في مواجهة الحديث الدائم عن التمويل من جيب الشعب المثقل بالكثير من الأعباء.

أما الأصوات التي سارعت للدفاع عن ضرورة الزيادة، في وسائل الإعلام، فأكدت على أن الأموال ستوجه إلى تحسين الخدمة. والغريب أن من يعود للزيادات التي تحدث عبر السنوات، سيجد تعبيرات مشابهة وأوضاع خدمة لا تتغير للأفضل بالضرورة، ولكن في اللحظة والسياق الذي تمر به مصر يتناسى من يطالب الشعب بالدفع حقيقة الأزمات التي يعاني منها الشعب، وأنه أيضا لديه سقف قدرة قد يكون البعض قد تجاوزه بالفعل، إلى جانب أن الدولة بكل مواردها تتحدث عن فقرها، وتنفق في أوجه غير ضرورية ولا تنظر لموارد الشعب واحتياجاته، وعندما تقارن بين أسعار خدمة ما مقارنة بدول العالم تتجاوز عن السياق العام للمقارنة، بما فيه نسبة ما تشغله تلك الخدمة من إجمالي الدخل، وأوجه الإنفاق عموما وما تقدمه الدولة من خدمات وشبكات ضمان اجتماعي وغيرها من الأوضاع التي تجعل المقارنة الرقمية حسب سعر السلعة، مجرد نوع من إخفاء الحقيقة وتبرير المعاناة.

عندما تبحث عن بيع الوهم على الإنترنت ستجد سريعا كتابات تنتقد الإعلانات التي تقوم على استغلال الناس، من خلال وعود براقة لتحقيق أمور مثل «جلب الحبيب وفك الأعمال السحرية…» ولكن يتجاوز البعض أن لدينا وعودا مشابهة في عالم السياسة والحكم ومنها «بكره تشوفو مصر» التي تحولت إلى معنى فلسفي لا يقصد زمنا محددا، في الوقت نفسه الذي لا تحمل العبارة توضيحا محددا لمعنى مصر، التي يفترض أن نراها. 

 

وإن كنا نفترض أن مصر أفضل وأجمل وأكثر دفئا وعدلا لعموم الناس، فربما يرى البعض أن هذا أيضا جزء من الوهم، وأن من أطلق العبارة غير مسؤول عن التصورات التي صاحبتها والأحلام التي تصورناها، وأن مصر التي تعقد مؤتمرات شهرية وعالمية، وتخصص سجادا أحمر لموكب سيارات يفتتح مشاريع إسكان لمحدودي الدخل، في الوقت التي يؤكد رئيسها أنها فقيره ويطالب برفع أسعار المواصلات ويطالب وزير آخر بتقليص حصة الخبز المخصصة للمواطن، قد تكون هي مصر الموعودة من وجهة نظر السلطة، حين تكون مجرد صورة أخرى من صور الطبقية وعدم العدالة.

قد تكون ضغوط الواقع ساهمت في شراء الوهم، وربما تكرار الشراء عبر العقود المختلفة لاعتبارات كثيرة، بما ساهم في تأسيس حالة من دائرية بيع وشراء الوهم من كل حاكم وفي كل مرحلة جديدة، وكأن السياسة في عالمنا مجرد سوق لبيع وشراء الوهم، ووسطاء لترويج الوهم وأصوات لتجميله عبر وضعه أغلفة جديدة. ولكن بيع الوهم الذاتي الذي يدفع الفرد ثمنه يختلف عن الوهم الجماعي الذي يدفع الجميع ثمنه في الحاضر والمستقبل الممتد، حينما يكون على الجميع التعامل مع ميراث الوهم على أرض الواقع، الذي تتكشف حلقاته من مرحلة لأخرى وربما يساهم هذا في تفكيك قدرة الوهم على الاستمرار في السيطرة والحكم. 

 

فإخفاء الحقائق وإعادة تسمية الأشياء وإنتاج الوهم المعلب، لا تغير الحقيقة ولا تخفي ما يموج في المجتمع من تطورات، كما أظهر الكثير من أحداث المنطقة. وكما أن مطالبة الشعب بالثقة وعدم القلق لا تعني تحقق تلك الثقة، فإن الصمت الظاهر لا يعني القبول والقناعة بالضرورة. وإن كانت عملية بيع الوهم وشرائه استمرت لعقود، فهناك حاجة لتفكيك أسس تلك العملية عبر تفكيك أوجه الوهم القائمة وإعادة الاحترام لمعنى الأشياء وما هو إنجاز وما هو سراب.

القدس العربي