كتاب عربي 21

وماذا عن حرية "المتدينين" أيضا؟

1300x600
لقد تسلم الملحدون زمام المعركة الفكرية ضد الإسلام إلى حد كبير في السنوات الأخيرة. فبعد سجالات لا حصر لها وحجج بين مسيحيين وخبراء مسلمين في الدين المقارن، قام لواء جديد من الملحدين بتولي زمام المعركة. فقام أشخاص مثل ريتشارد دوكينز وسام هاريس ودوجلاس موراي والكاتب الراحل كريستوفر هيتشنس؛ بتوجيه كراهيتهم تجاه الأديان بشكل عام لتتركز بشكل خاص على الإسلام. ففي الآونة الأخيرة شاهدنا حملة علاقات عامة في المملكة المتحدة قامت بنشر لافتات على جانبي القطارات والحافلات تقول: "في الغالب ليس هناك إله، فاسترخوا واستمتعوا بالحياة".. يبدو أن الرغبة في تقويض انتشار الإسلام كبيرة؛ لدرجة أن الغرب مستعد "للإلقاء" بالإله جانبا، إذا كان هذا سيعني التخلي عن الإسلام أثناء هذه العملية.

هنا في ماليزيا أرى صراعا ما يختمر بين الحكومة ومجموعة تطلق على نفسها "الجمهورية الملحدة". وقد نشرت هذه المجموعة صورة على وسائل التواصل الاجتماعي في إحدى تجمعاتها، مما أثار القلق بين السلطات ونائب الوزير في إدارة رئيس الوزراء، أسياف وجدي دوسوكي، فتم إصدار بيان؛ يقول فيه بشكل أو بآخر إن الإلحاد غير دستوري في ماليزيا، وأن محاولة نشر الأفكار الإلحادية سيعتبر تهديدا للنظام العام. فكتب دوكينز ردا على ذلك بأن الحكومة الماليزية تتكون من "أعاجيب من الغباء والظلم"، مضيفا بذلك إلى سيرته الذاتية كعالم أحياء ومؤلف، بأنه "خبير في القانون الدستوري الماليزي".

وقد انتقد النواب الماليزيون من المعارضة بيان أسياف، واقترحوا أن كبت الإلحاد سيمثل نوعا من القمع وتدهور لحقوق الإنسان في ماليزيا.

ماليزيا بلد تتعايش فيه جميع الأديانـ وكل مجموعة تحترم ما يعتبره الآخر مقدسا. وقد قام المحامي أزهر هارون، وهو ناقد آخر، بالتحذير من وضع أي قيود على مسار الإلحاد، وقال إن "حرية الاعتقاد تشمل خيار ترك الدين"، وهو بذلك لم يلتفت للنقطة الأساسية. فردا على كلامه، ما يختار الملحدون أن يتركوه ليس هو الدين، ولكنه العقد الاجتماعي الأساسي بين المواطنين لاحترام معتقدات بعضهم البعض.

وقد قام التحالف الماليزي لمنظمات المجتمع المدني، في عملية الاستعراض الدوري الشامل، بإيضاح المسألة في بيان؛ قائلا: "إنهم يرفضون مسؤوليتهم في احترام ما يراه زملاؤهم الماليزيون مقدسا.. لم يعد الأمر متعلقا بمعاداة الدين، ولكنه أصبح متعلقا بمعاداة المجتمع".

وإذا كان هناك من يرى أن لأي شخص أن يختار ترك الدين، فهل هذا هو كل ما يفعله الملحدون؟ لكن ما يسمى "بالإلحاد التبشيري"، وهكذا نسميه بحكم التعريف، يعتبر شكلا من أشكال الاعتداء على المعتقدات الدينية لأي مجتمع، مسلما كان أو غير مسلم. فالأمر لا يتعلق بالاختلاف مع الممارسات العقائدية الخاصة بهذا الدين أو ذاك.. الإلحاد يطلق وصفا "غبيا وظالما" على كل وأي شخص معتنق لأي دين. فبين الدينيين، قد نرى حوارا حول الكتاب المقدس واللاهوت، وقد يكون حوارا محترما ومفيدا. ولكن الموقف الأساسي للملحدين هو أن معتقدات أي جماعة دينية تعتبر في الأساس غباء وأوهاما، وهذا طبعا أمر جارح، وفيه اعتداء صريح، فهل ترون الفرق؟ وهل ترون كيف يمكن أن يكون هذا الأمر مخربا للتماسك الاجتماعي؟

والآن، فكما قلت، يبدو أن الهجوم على الدين بشكل عام لديه هدف أساسي متمثل في تقويض الإسلام؛ فهم على استعداد للتضحية بأتباع الديانات الأخرى إذا كان هذا سيشوه سمعة المسلمين. علينا أن نفكر في حقيقة أن ما يقرب من عشر ولايات في الولايات الأمريكية تحظر الملحدين من شغل المناصب العامة، ولا تسمح ولاية واحدة للملحدين بالإدلاء بشهاداتهم كشهود في المحكمة، ولكن هل المشرعون من أركنساس، وميريلاند، وميسيسيبي، وشمال وجنوب كارولينا، وتكساس، وبنسلفانيا؛ يتصفون هم أيضا بأنهم "أعاجيب من الغباء والظلم"؟

حقيقة؛ أن الدول الإسلامية تميل إلى تناول مسألة الإلحاد التبشيري بشكل أكثر جدية من الدول الغربية، وتصور كدليل على التعصب الإسلامي.. والملحدون يحاولون خلق تصور بأن حقوقهم تنتهك من قبل الأنظمة الإسلامية، ولكنهم هم أنفسهم من يستهدفون - على وجه التحديد - البلدان الإسلامية.

ومع ذلك، فإن الحد من التبشير الإلحادي في البلدان الإسلامية يدل على مدى جدية تناول هذه البلدان لحقوق الدينيين من جميع الأديان، ومدى أهمية أن يكون كل واحد منهم محترما ومحميا من الهجوم الإيديولوجي عليه؛ لأنه، مرة ثانية، ما يفعله الإلحاد التبشيري تحديدا هو الافتراء والتعدي على جميع الأديان.

عندما تجرم الولايات المتحدة خطاب الكراهية لأنه بغيض ومؤذ لقطاع كامل من السكان، فهي على حق. وينطبق المبدأ نفسه على الإلحاد، وربما لأكثر من ذلك؛ لأن الإلحاد يحط من الأغلبية الساحقة من المواطنين الذين يحملون معتقدات دينية. مرة أخرى، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من النظر إلى تغريدة ريتشارد دوكينز على تويتر حول الجدل في ماليزيا. لا يمكن للملحد أن يفتح فمه للتعبير عن معتقداته دون أن يكون ضارا للآخرين، تماما كما لا يمكن للعنصري التعبير عن آرائه دون أن يكون ضارا لغيره.