مقالات مختارة

الربيع السعودي ومحمد بن سلمان

1300x600

لم يبق سوى أيام معدودة على انتهاء تصويت الجمهور في مجلة «تايم» الأمريكية واسعة الانتشار، لاختيار شخصية العام، حيث يغلق التصويت يوم 3 ديسمبر المقبل، لتعلن النتائج يوم 6 ديسمبر.

وتختار المجلة «شخصية العام» منذ عام 1927، وتعرفه بأنه الشخص الذي كان له التأثير الأكبر على الأخبار خلال الـ12 شهرا الماضية، وكان العربي الوحيد في القائمة لهذا العام هو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي حصل على نسبة 57% من أصوات الجمهور ليكون بذلك في المركز الأول حتى الآن، والمرشح الأكثر حظا ليكون شخصية العام وليفوز على منافسين مهمين من زعماء العالم مثل: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس كوريا الشمالية كيم يونغ أون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والرئيس الصيني شي جين بينج، وجاستن ترودو رئيس وزراء كندا، وإيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي.

لكن لماذا يمكن أن يعتبر القارئ بن سلمان الشخصية الأكثر تأثيرا في الأخبار؟ وما الذي يسعى له الأمير الشاب البالغ من العمر 32 عاما فقط، والذي سيكون له صدى عالميا بحيث يجعله شخصية العام؟ هل ستتغير خريطة الشرق الأوسط في حال تسنمه عرش بلاده، كما يشيع بعض الأطراف؟ هل ستتغير قواعد الصراعات المزمنة في المنطقة؟ وهل سنشهد تحالفات جديدة للمملكة ستغير قواعد اللعبة عالميا؟

في آخر حوار صحافي للأمير محمد بن سلمان، الذي يمكننا اعتباره الأهم حتى الآن، هو حواره مع الصحافي الأمريكي توماس فريدمان، الذي نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» واسعة الانتشار يوم الجمعة 24 نوفمبر الجاري، والذي أدلى فيه ولي العهد بتصريحات كان لها صدى خطيرا، حيث ابتدأ فريدمان موضوعه بالقول، «إنه على خلاف أي ربيع عربي في مختلف البلدان الأخرى، يقود الأمير الشاب حركة الربيع العربي في المملكة بداية من الطبقة العليا». ويذكر فريدمان «أنه في حال أتى الربيع السعودي ثماره، فإنه لن يقلب موازين السعودية فقط، ولكنه سيغير أيضا معنى ومفهوم الإسلام في جميع أنحاء العالم»، ثم أضاف جملة فيها الكثير من الغموض، حيث لم يفهم لمن يوجهها فريدمان عندما قال، إن «الأحمق فقط هو من لا يدعم هذه الحركة». فلماذا كان توماس فريدمان متحمسا إلى هذه الدرجة ومتأثرا بطروحات بن سلمان؟

كانت فاتحة الحديث الصحافي مع ولي العهد هو سؤال فريدمان عما يحدث في الريتز كارلتون، الفندق ذي الخمسة نجوم في قلب الرياض، الذي تحول إلى «معتقل ذهبي» كما يصفه البعض لأمراء ووزراء متهمين بالفساد؟ وسأل توماس فريدمان هل الأمر مكافحة فساد، أم تمهيدا للوصول للعرش من دون منافس محتمل كما يشاع؟ فكانت إجابة بن سلمان على السؤال كاشفة عن الخطط المبيتة وراء ما جرى، حيث بين أن الأمر ليس وليد اللحظة، وإنما تم التخطيط له منذ حوالي السنتين حيث قال، «رأى والدي أنهُ ليس من المُمكن أن نبقى ضمن «مجموعة العشرين» في حين تعاني بلادنا من هذا المُستوى من الفساد. ففي وقتٍ سابق من عام 2015 صدرت أول الأوامر التي أعطاها والدي لفريقه، وهي جمع كل البيانات المُتعلقة بالفساد في الطبقة العُليا. ولقد ظل الفريق يعمل لمدة عامين كاملين حتى توصلوا لجمع المعلومات الأكثر دقة، ومن ثم جاءوا بقوائم بحوالي 200 اسم». إذن الأمر يدور منذ سنتين وهنالك 200 متهم يجب أن يحالوا للقضاء، أو أن تتم تسوية أمورهم المالية، وهذا ما تم فعلا على ارض الواقع، حيث اعلن محمد بن سلمان باستحصال 100 مليار دولار نتيجة تسوية قضايا 94% من المتهمين الذين انتهت دعاواهم .

لكن أين تكمن خطورة التصريحات التي اعتبرها فريدمان ستغير وضع الإسلام ليس في السعودية فحسب، بل في العالم أجمع؟ وهنا نقرأ التصريح الأخطر لولي العهد السعودي في قوله، «لا نقول إننا نعمل على «إعادة تفسير» الإسلام، بل نحن نعمل على «إعادة» الإسلام لأصوله، وأن سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي أهم أدواتنا». وذكر الأمير بن سلمان «أنه في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان الرجال والنساء يتواجدون معا، وكان هناك احترام للمسيحيين واليهود في الجزيرة العربية». كما أوضح قائلا: «لقد كان قاضي التجارة في سوق المدينة المنورة امرأة». وتساءل بن سلمان قائلا، «إذا كان خليفة النبي عمر بن الخطاب (رض) قد رحب بكل ذلك، فهل يمكن القول إنه لم يكن مسلما؟».

ولتوضيح ما يسعى له الأمير الشاب، أو ما يصبو لتحقيقه ذكر فريدمان ما حصل على هامش جلسته مع ولي العهد وعدد من المسؤولين السعوديين، حيث يقول، «قام أحد الوزراء الموجودين بإخراج هاتفه، وأطلعني على صور ومشاهد فيديو للسعودية في الخمسينيات من موقع يوتيوب، وقد ظهرت فيها صور لنساء بلباسهن المعتاد، وهن يتجولن مع الرجال في الأماكن العامة، فضلا عن الحفلات الغنائية ودور السينما. لقد بدت المملكة في ذلك الوقت مكانا تقليديا ومعتدلا، ولم تكن مكانا يمنع فيه الترفيه»، وقد أخبره محدثه أن كل هذا تغير بعد عام 1979، لذلك يعرب فريدمان عن رأيه أو استنتاجه بالقول إنه «إذا ما تمكنت السعودية من معالجة «فيروس التطرف الإسلامي» الذي يعادي تعدد الآراء ويكن الكره للنساء، والذي تفشى بعد عام 1979، فإنها ستتمكن من نشر الاعتدال في جميع أنحاء العالم الإسلامي».

وهنا يجب أن نتساءل، هل الأمر بهذه السطحية؟ ولماذا يصدر مثل هذا الحكم الذي يبدو متسرعا من صحافي عتيد مثل توماس فريدمان تجاه أمير شاب أقصى طموحه هو أن يعيد أجواء الانفتاح الذي عاشته المملكة في الخمسينيات والستينيات، ويرى أن هذا الأمر ممكن وقابل للتحقيق بانقلاب قصر» يقوم به ولي العهد.

كما تناول الحوار عددا من الموضوعات السياسية منها حرب اليمن، وتقديرات ما سيؤول له أمر الجارة المنكوبة، والأزمة اللبنانية، واستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، لكن كل تلك الأمور تم تناولها بطرف الأصابع، ليتم التركيز على أن الخطر الداهم والحقيقي إنما يتمثل في الأطماع الإيرانية، التي شبهها ولي العهد بألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، كما شبه مرشد ايران علي الخامنئي بهتلر، وأشار إلى أن التعامل الصحيح مع الأطماع التوسعية الإيرانية هو مواجهتها، لا كما فعلت أوروبا عندما حاولت استرضاء هتلر في بداية صعود نجمه، حتى استفحل الخطر النازي وهدد العالم اجمع وليس أوروبا فقط .

وهنا يمكن أن نتساءل عن المسكوت عنه في الحوار الصحافي، أو على الأقل ما سمح بنشره، وهو لماذا لم يسأل فريدمان عن التقارب السعودي الإسرائيلي المتنامي نتيجة ما يشاع عن براغماتية شعار «عدو عدوي صديقي» في إشارة للخطر الإيراني؟ لماذا لم يسأل توماس فريدمان ولي العهد عما سربته الصحافة من إشاعات عن زيارته السرية لإسرائيل؟ لماذا لم يسأله عن التصريحات الرسمية لقيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية، أشارت عدة مرات، تلميحا وتصريحا، لتقارب سعودي إسرائيلي ربما ستكون أولى ثماره مواجهة إسرائيلية مع حزب الله في لبنان؟ وهل يمكننا التكهن بأن الأمر الأخطر في الربيع السعودي الذي قد يكون فريدمان سمعه من الأمير ولم يجرؤ على البوح به هو تطبيع وشيك للعلاقات السعودية الإسرائيلية؟ ربما فهناك الكثير من المقدمات التي نستطيع قراءتها بهذا الاتجاه.

وأخيرا، ربما يكون ما أثار انتباه القراء في الحوار الصحافي لولي العهد هو الرسائل الملغزة المبثوثة فيه، مثل قول بن سلمان: «إنني أخشى أنه في يوم وفاتي، سأموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني. إن الحياة قصيرة جدا، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جدا على مشاهدته بأم عيني، ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري». حيث قرأ البعض هذا القول على أن هناك تهديدا أو صراعا بين أجنحة العائلة المالكة قد يندلع في أي لحظة، وستكون نتيجته مقتل ولي العهد قبل إتمام «ربيعه» الموعود.

القدس العربي