قضايا وآراء

صفقة القرن بين الوهم والحقيقة

1300x600
تسيطر على المنطقة العربية بشكل عام، وعلى الشارع الفلسطيني، تخوفات من أن تقدم الإدارة الأمريكية على فرض رؤيتها لحل سياسي بتجاوز الحقوق الفلسطينية لصالح إسرائيل. ولا يقتصر الخوف من فرض تسوية أمريكية صهيونية على الفلسطينيين، بل هناك مخاوف أكبر من أن تمضي الإدارة الأمريكية إلى فرض ترتيبات إقليمية في المنطقة تعيد تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة، لتجعل من إسرائيل كيانا طبيعيا في المنطقة، مما يسمح بدمج إسرائيل في النظام الإقليمي كجزء من تحالفات جديدة بحجة مواجهة التمدد الإيراني ومحاربة الارهاب الداعشي وجماعات الإسلام السياسي..

هذه الترتيبات المفترضة هي التي يطلق عليها الكثيرون اسم "صفقة القرن". هذا المصطلح لم يأت من فراغ، بل جاء على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر الصحفي بعد نهاية لقائه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 3 نيسان/ أبريل الماضي، والذي قال فيه: "ستجدني بكل قوة ووضوح داعماً لأي مساع لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في (صفقة القرن)، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها". وهي أول مرة يستعمل أحد القادة السياسيين في منطقة الشرق الأوسط هذا المصطلح (صفقة القرن)، ويبدو أن الرئيس السيسي هو أول من استعمل المصطلح بعد لقائه مع الرئيس الأمريكي، وسماعه أفكاره حول التوصل إلى تسوية في المنطقة، مما دفعه للإفصاح عنه هذه الفكرة التي أطلق عليها "صفقة القرن" بالرغم من أن الرئيس الأمريكي نفسه لم يتلفظ مطلقا بهذا المصطلح في أي من تصريحاته الصحفية ولا في تغريداته المشهورة.

كل من تحدث عن صفقة القرن لم يقدم دليلا واحد على أن هناك خطة أمريكية واضحة للخروج بتسوية في الشرق الأوسط بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في المقابل، كل المؤشرات تؤكد أن الإدراة الأمريكية لا زالت تنقب عن أفكار يمكن طرحها على الطرفين من أجل التوصل إلى تسوية شاملة.
وهنا يمكن الإشارة إلى أن أي أفكار يمكن أن تطرح من قبل الإدارة الأمريكية لا يمكن أن تقبلها الحكومة نتنياهو اليمنية ما لم تؤمن الخطوط العريضة لحكومة اليمين في إسرائيل، وإلا فإن الإدارة الأمريكية ستكون مضطرة للدخول في صدام مع هذه الحكومة. وفي ظل الأزمات التي يواجهها الرئيس الأمريكي على عدة جبهات، سواء مع الإعلام والاستخبارات والمؤسسة الرسمية، وحتى داخل الحزب الجمهوري، وفي ظل الملاحقات القضائية بتهم التعامل مع روسيا للطواقم الانتخابية التي عملت مع ترامب خلال حملته الانتخابية، فإن الرئيس الأمريكي يتجنب أي مبادرة لا تحظى برضى نتنياهو؛ خشية فقدان دعم اللوبي الصهيوني داخل الكونغرس، والذي يلعب نتنياهو دورا كبيرا في التأثير على مواقف أعضائه. ويزداد الأمر تعقيدا مع صعوبة الموقف السياسي داخل إسرائيل، في ظل الملاحقات القضائية لنتنياهو، فهو لا يمكنه أن يذهب بعيدا عن برنامج حكومة اليمين الإسرائيلي الذي يؤكد على حقه بالاستيطان في الضفة الغربية، ويرفض فكرة إقامة كيان فلسطيني فيها إلى جانب إسرائيل. وحتى لا تسقط حكومته، فهو مضطر للخضوع للجناح المتطرف في معسكر اليمين، سواء في حزب البيت اليهودي أو من أعضاء حزبه المتشددين، وهو يدرك أنه إذا اقدم على أي خطوة تؤدي إلى تفكيك الحكومة، فإنه لن يكون قادرا على تشكيل حكومة مع أحزاب - اليسار أو الوسط - خارج الائتلاف بسبب الملاحقات القضائية ضد نتنياهو. ولذلك لن يكون بالإمكان في هذه المرحلة على الأقل أن تنتج العملية التفاوضية أي حل سياسي يمكن وصفه بالصفقة، لا صغيرة ولا كبيرة، ومن باب أولى صفقة القرن. فأي صفقة لا بد أن تكون معالمها واضحة، وهذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو في الأفق معالم هذه الصفقة مهما قيل عنها، فهي لا زالت في عالم الخيال وليست في عالم الحقيقة.

يمكن الإشارة هنا إلى أفكار ومشاريع كثيرة تم طرحها وتداولها في المنطقة منذ أن انطلقت مسيرة المفاوضات في المنطقة، ابتداء من فكرة الشرق الأوسط الكبير الذي دعا إليه شمعون بيرز، لكن لا شيء من هذه المشاريع قدر له النجاح، ذلك أن كل المشاريع التي تم طرحها في المنطقة جاءت من خلال رؤية إسرائيلية للمنطقة؛ بعيدا عن شعوب المنطقة، فلن يقدر لها النجاح مهما حصلت عليه من دعم.