كتاب عربي 21

عمرو خالد في كوريا الشمالية!

1300x600
انحياز عمرو خالد في مآل أمره إلى الطاغية كان حتمية لا بدّ منها لمساره الذي اختاره، بصرف النظر عن جذوره الإخوانية، فالدين العاري من المعنى، والمتوقف على الفردانية الاستهلاكية، التي يستهلك فيها الفرد الدين وصفة لإراحة الضمير كما يستهلك أي مخدّر، سينتهي بصاحبه إلى ما انتهى إليه عمرو خالد.

في الأساس كان عمرو خالد تاجرا مركبا، يصنع نمطا من التدين ويقوم بتسويقه وبيعه، وهو القائم بنفسه على هذه العملية التجارية التي تتطلب شروطا موضوعية لنموها، أول هذه الشروط توفر تلقائيا، وهو طبيعة النظم الحاكمة في العالم العربي، بما في ذلك النظام المصري، والمؤسسات الاقتصادية المتحالفة معها.

تعي المنظومة تلك كلها، ضرورة احتواء الدين في المجتمعات التي تحكمها، والنمط الأفضل من الاحتواء يكون بنزع قيم الدين الكبرى، وصرفه عن وظائفه الاجتماعية الأساسية، وهذا لا يكون إلا بتحويله إلى سلعة فردانية يعاقرها المرء كما يعاقر أي مخدر أو مسكر يقوم بوظيفة نفسية خاصة بصاحبه.

هذا لا يعني أن عمرو خالد وأمثاله لن يواجهوا المتاعب مع تلك الأنظمة، التي تنزع لتوظيفهم وتخشى -أو تغار- من شهرتهم، فواحدة من سمات هذه الأنظمة كراهية المشاهير، خاصة إن كان الدين مجال شهرتهم، بيد أنه -أي عمرو خالد- تماهى مع الشرط الموضوعي إلى أبعد حد، وكان هذا واضحا لأي مدقق مدرك للطريق الذي سلكه، ولطبائع وخصائص ومآلات التدين الذي يقدّمه للناس.

بالتأكيد، لم يؤسس عمرو خالد لهذا النمط من التدين، ولكنه وجد أرضية فرشها من قبله الإسلاميون أصحاب القضايا الكبرى في أصل منشئهم، الذين –مع طول الطريق- دفعتهم الهزيمة ومراوحة المكان وسطوة الواقع للبحث عن أي فرصة يتيحها الواقع حتى لو مسّت جوهر قضاياهم الكبرى.

من هنا بدأ كل شيء بالتكيّف مع الواقع والتآكل والتحوّر، تكيّفًا أخذ يرى نفسه "عبقرية فذّة" فتغير الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتبع ذلك تغير الفقه، وهنا وجد عمرو خالد نفسه، ولكن في منطقة سهلة، لا تتطلب علمًا ولا فكرًا، وإنما قدرات في التسويق وإدارة العلاقات العامّة وصناعة الصورة الشخصية تتحرك في المناطق الآمنة، وهذا النوع من الناس يبحث عن الربح المضمون، مهما كانت النوايا أوّل الأمر.

فإذا اجتمع نوع السلعة، وهو نمط التدين الذي يقدّمه عمرو خالد، مع النوع البشري الذي يمثّله، ستكون النتيجة في أوضاع كالتي نعيشها اليوم، وكان منها ما جرى في مصر من استباحة لدماء الناس وأموالهم وكراماتهم، ستكون الانحياز للطاغية، لصاحب الشرط الموضوعي الأول الذي لا يسمح بنوع عمرو خالد فحسب، بل يسعى لإيجاده.

لا علاقة بطبيعة الحال لكوريا الشمالية أو بزعيمها "كم جون أون" بالأمر، سوى أن تفجير الأخير للقنبلة الهيدروجينية تزامن مع انفجار صور وفيديوهات عمرو خالد في الإنترنت ومواقع التواصل والتي اتخذت مادّة للتهكم والسخرية، أو فرصة للنيل منه وهدم ما تبقى من صنميته.

ويبقى رابط آخر سوى تفجير "كيم جونغ أون" وانفجار صور وفيديوهات عمرو خالد المثيرة للسخرية، وهو أن الأخير انحاز لطاغية سفيه، والأول يوصف بالجنون، وحكمه وبلده محط معلومات غاية في الغرابة بعضها زائف يتورط في نشره إعلام تُفترض فيه الرصانة، وبعضه صحيح. 

لكن هذا الذي يوصف بالجنون، وهو طاغية لا شكّ، يوقف العالم على قدميه، ويفجّر القنابل النووية والهيدروجينية ويصنع الصواريخ البالستية، ويضع أمريكا في هذا القدر من الارتباك والحيرة.

أنا واثق من نفسي أنني لستُ معجبا بالزعيم الكوري ولا بحكمه، وحتما لست مغرما بهما، وقد رأيت الشحوب الذي يظلل كل شيء في ذلك البلد، من الحجر والشجر إلى الإنسان. 

لكن وبما أن الحديث عن انحياز داعية لطاغية في بلادنا، فقد يكون مناسبًا المقارنة بين طاغية كوريا الشمالية الذي يفجّر القنابل الهيدروجينية، وبين طاغية من صنف عبد الفتاح السيسي، يكفي اسمه دلالة على كل هذا الاهتراء والبؤس الذي لا يمكنك أن ترى خلفه شيئا واحدا ذا قيمة، وعمرو خالد قد انحاز لهذا البؤس.

تحطيم البؤس والاهتراء ورموزه بأي وسيلة، ومنها السخرية، واجب، ونمط التدين الذي روّجه عمرو خالد بمآلاته، يستوجب أن يكون له حظّ من تلك المقاومة التي تروم تحطيمه، واستهدافه ليس قلة حيلة ولا صدورا عن الهزيمة، حتى لو كان يراه البعض حلس الحمار أو بردعته، فحظائر الطغاة تُعمّر بالحمير وبالأحلاس!