قضايا وآراء

انتكاسة الثورة السورية بين الخلاف العربي والتدخل الإيراني

1300x600
يعرف الجميع أنّ السعودية وقطر الداعمان العربيان الرئيسان، وربما الوحيدان للثورة السورية. فقدَّما للثورة السورية الدعم المادي والعسكري والإعلامي والإغاثي، وحملا همّها ودافعا عنها في المحافل السياسية الدولية، فكانتا الصوت السياسي المسموع والفاعل للسوريين.

وما دفع الدولتين لهذا الدعم الواجب الأخوي الأخلاقي تجاه الشعب السوري بداية، والحفاظ على الأمن الداخلي للبلدين والخليج ثانياً. ففشل الثورة السورية - لا سمح الله - سينقل المعركة للبيت العربي والخليجي، خصوصاً باعتبار الثورة السورية، مثل اليمنية، تواجه عدواً خارجياً يستهدف المنطقة برمتها، وقد رأى الجميع بوادر ذلك في البحرين. وفي حال تجاوز هذا العدوان سوريا، ستتحول البوادر لأفعال مدمرة.

ويقابل الداعم العربي للطرف الآخر في سوريا، إيران رغم البون الشاسع بين الدعمين. إذ لم يقتصر الدعم الإيراني على الجوانب العسكرية (التسليح) والمادية والسياسية والإعلامية، بل رفدته إيران بخبراء عسكريين ومقاتلين على الأرض. وهَدَفَت إيران من هذا الدعم - كما هو معروف - لتوسيع نفوذها الإمبراطوري الفارسي القديم الجديد بالوصول للبحر المتوسط، وغلّفت هذا الهدف بأبعاد طائفية لحشد الشارع الإيراني، وشرعنة الحروب الخارجية.

ومن هنا يتضح الأثر الكارثي للخلاف السعودي القطري على الثورة السورية، إذ يفوق في خطره الأثر المترتب على الدولتين. ولا نهدف هنا توضيح حيثيات وأسباب الخلاف، فإذا لم نستطع سكب دلو ماء على نار الفتنة، فلن نكون ممن يسكب دلو بنزين لازدياد أوارها. فالدعم العربي (السعودي، القطري) رغم الفوارق بينه وبين الدعم الإيراني؛ يوازن بين كفتي ميزان الصراع، ويحول دون هزيمة الثورة على يد إيران ومليشياتها الطائفية.

فاستمرار الخلاف يؤدي لانقسام عمودي وأفقي في الثورة السورية على كافة المستويات العسكرية والسياسية والإعلامية، وحتى الإنسانية، وسيتجاوزُ الأثرُ الجغرافيةَ السورية، حيث سينقسم العرب لقسمين، وقسم ثالث سلبي إذا لم يتم السعي بالوساطة الإيجابية.

وبالعودة للوضع الداخلي السوري، سيزداد الاستقطاب، إذ سيُثبت كل طرف امتلاكه شرعية دعم الثورة السورية، وسيزداد تدخل الأطراف الإقليمية والدولية لصالح هذا أو ذاك، مما يزيد الوضع المُعقَّد تعقيداً وتشظياً، ويخلق فوضى هدّامة لن يجني ثمارها إلا نظام الأسد وإيران.

فالخلاف السعودي القطري لا ينسف جهودهما في دعم الثورة السورية ويجعلها هباء منثوراً وحسب، بل سيكون سبباً رئيساً لامتداد النفوذ الإيراني. فإيران تمددت على الخارطة العربية نتيجة الخلافات العربية البينية من جهة، ونتيجة غياب المشروع العربي من جهة ثانية، فأشغل العرب أنفسهم بحسابات ضيقة متجاهلين الخطر الذي يحمله مشروع الآخرين لمنطقتنا، فلا يعقل إرجاع نجاح إيران حتى الآن وفشل العرب لتفوق إيران، ولا سيما أن للعرب حاضنة شعبية في سوريا خلافاً لإيران فينبغي التفتيش عن السبب الحقيقي.

ومن يتتبع خارطة نفوذ الدول في سوريا يلحظ مشروعاً إيرانياً وروسياً وأمريكياً وتركياً، حتى الإرهاب له مشروعه الخاص، ونجح بصناعة نفوذ وسلطة ولو مؤقتة على الأرض.

ولا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ الخلاف العربي، وغياب المشروع العربي هو الذي سمح لمشاريع الآخرين برؤية النور، ولا سيما المشروع الإيراني والإرهابي اللذان برزا كتوأم سيامي.

ولعب الخلاف العربي، فضلاً عمّا سبق، دوراً بارزاً في الهزائم الأخيرة نتيجة تشظي المعارضة السورية، ولا سيما العسكرية التي غدا ولاؤها مع الزمن للداعم.

ورغم وحدة الهدف "نصرة الثورة، والإطاحة بالأسد رجل إيران" لم يعمل العرب على توحيد الدعم بما يسمح توحيد بندقية المعارضة تحت مظلة سياسية جامعة، خلافاً لإيران التي جاءت بشذاذ الآفاق من طائفيين ومرتزقة لتصهرهم ضمن هدف واضح المعالم تحت قيادة مركزية، ما أسهم بتحقيق مكاسب ميدانية على الأرض يستثمرونها سياسياً.

وعليه ينبغي أن يكون الخلاف السعودي القطري سحابة صيف، ودرساً بليغاً فهمنا منه أننا في سفينة واحدة نغرق معاً أو نصل للشاطئ معاً، فاختلاف الآراء والرؤى حول آليات وطرق معالجة وإدارة الملفات لا يحول دون رسم طريق استراتيجي يلتزم الجميع السير عليه، فانتكاسة الثورة السورية ستترك بلا شك صدى في الداخل العربي عموماً والخليجي، خصوصاً عبر نجاح إيران في تصدير مشروعها الهدام، ونجاح الطرفين في تجاوز الخلافات عقب انقلاب السيسي على الرئيس محمد مرسي يبشر بإمكانية العودة للوفاق، فما يجمعهما أكثر مما يفرقهما بكثير.