قضايا وآراء

إلى أين "تُجر" الجزائر؟!

1300x600
إلى أين تتجه الجزائر؟! برز هذا السؤال بعد عام فقط من استقلال البلاد في 1962، وطرحه حينها في كتاب؛ أحدُ أبرز قادة الثورة التحريرية، الرئيس الأسبق المغتال محمد بوضياف.

عاد السؤال ليطرح نفسه بحدة مع اغتيال بوضياف على المباشر وهو يخطب في الجزائريين في 1992. وعاد قبل ذلك، وبعدها كم مرة في الجزائر؛ مع أحداث قاصمة عرفتها البلاد المثخنة ذاكرتها بالجراح من نضال طويل ومرير من أجل الاستقلال، وحرب تحريرية خالدة دفع الجزائريون ثمنا باهظا من أجلها، إلى حرب أهلية مدمرة، ما زالت نارها كاوية، خلفت ما لا يقل عن ربع مليون قتيل، وعشرات المليارات من الدولارات من الخسائر المادية، وخسائر معنوية ونفسية لا تُقدر بثمن. حرب أهلية غرقت فيها البلاد بعد انقلاب عسكري أوقف المسار الديمقراطي، وألغى أول وآخر انتخابات برلمانية شفافة عرفتها البلاد في 1991، بزعم "إنقاذ الجزائر" وقطع الطريق على فوز كان سيكون كاسحا لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، رغم أن الحزبين الكبيرين الخاسرين آنذاك، الحزب الواحد الحاكم سابقا (جبهة التحرير الوطني)، وأقدم حزب معارض في البلاد جبهة القوى الاشتراكية ( العلماني) رفضا الانقلاب العسكري وإغراءات الانقلابيين، من بينها رفض زعيم جبهة القوى الاشتراكية الراحل حسين آيت أحمد؛ عرضا من قائد الانقلابيين، وزير الدفاع آنذاك الجنرال خالد نزار، بتولي الرئاسة خلفا للرئيس المطاح به الراحل الشاذلي بن جديد.

في المقابل، الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، الذي صرح بأنه لو كان شابا في بداية التسعينيات لكان ربما حمل السلاح، والتحق بالجبال لمحاربة النظام بعد الانقلاب العسكري، قَبِل بصفقة مع العسكر أوصلته للرئاسة في 1999، ولا يبدو برغم كل ما يتردد عن صراعات وترتيبات لخلافته؛ أنه في نيته (ربما بشكل أدق نية محيطه المقرب) في تركها برغم وضعه الصحي المعروف للعام وللخاص، الذي يلخص ربما وضع الجزائر: "رئيس/ بلد مريض مقعد على كرسي متحرك"!

إلى أين تتجه الجزائر؟ يعود السؤال ليطرح نفسه مع نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، التي عرفت مقاطعة قياسية فاقت 65 في المئة بحسب الأرقام الرسمية، واتهامات مرة أخرى للسلطة بتضخيم نسبة المشاركة وبالتزوير المفضوح، رغم ما اعتبر ضمانات أعطاها بوتفليقة عشية الاقتراع، في رسالة أخرى مكتوبة موجهة للجزائريين من رئيس بلادهم، الذي لم يخاطبهم بلسانه منذ 8 أيار/ مايو 2012. وفي آخر خطاب له قال فيه مقولته الشهيرة: "جيلي طاب جنانه (أي تجاوزه الزمن) وعاش من عرف قدر نفسه"، وفُهم حينها بأنه يريد ترك السلطة، لكنه عاد بعدها، برغم تدهور وضعه الصحي أكثر وإصابته بجلطة دماغية، للترشح في 2014، في أغرب رئاسيات عرفتها، ليس الجزائر فقط، بل ربما العالم، حيث فاز بها بوتفليقة برغم أنه لم يشارك في حملتها الانتخابية!

إلى أين تتجه الجزائر؟ يبدو أن السؤال ومن كثرِة تكرارِه فقدَ حتى معناه وجدواه مع الجوابِ الذي يفُرض على الجزائر فرضا. جواب يقول: "الجزائر لا تتجه"! الجزائر "تُكركرُ" (تُجر جرا)، باستعارة تعبير الوزير الأول عبد المالك سلال، الذي دعا الجزائريات إلى "جرِ" أزواجهن للتصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وضربهم بالعصيّ إذا رفضوا! الجزائر"تٌجرُ" إلى الوراء عكس حركة التاريخ مع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وقبلها مع العهدة (الولاية) الرابعة للرئيس بوتفليقة في 2014، وربما في ظل المعطيات الحالية وغياب "كتلة تاريخية" مضادة ومؤثرة، سيتكرر السيناريو حتى بـ"عهدة خامسة"، إذا أطال الله في عمره في رئاسيات 2019. وليس إصرار محيط الرئيس بوتفليقة على إظهاره في الانتخابات البرلمانية الأخيرة وهو "يؤدي واجبه الانتخابي" - مع أنه لم يستطع وضع ورقة الانتخاب في الظرف في صندوق الاقتراع دون مساعدة نجلي شقيقه - إلا "بروفة"، ربما لرئاسيات 2019، برغم ما يتردد عن ترتيبات وصراعات خلافته، وعن وضع اقتصادي وسياسي واجتماعي مرشح لمزيد من التدهور!