قضايا وآراء

الانصراف الهندي عن قضية فلسطين: ما الذي جرى؟

محمد مكرم بلعاوي
1300x600
1300x600
مقدمة

تعرضت الهند لاحتلال بريطاني طويل، بدأ بصورة غير مباشرة عن طريق انتشار نفوذ "شركة الهند الشرقية" على مدى قرن من الزمان، حيث سيطرت بالتعاون مع الأمراء والإقطاعيين المحليين على البلاد شيئاً فشيئاً، وامتصت خيراتها ونقلتها إلى بريطانيا. وعندما ثار الهنود عام 1857م، بقيادة سلطانهم محمد بهادر شاه، على النفوذ الإنجليزي، تم احتلال القلعة الحمراء في دلهي، وتعرض الهنود، وخصوصاً المسلمين، لاضطهاد ومجازر يندى الجبين عند وصفها، وبهذا دخلت الهند رسمياً تحت التاج البريطاني.

تنامت كراهية الهنود، وخصوصاً المسلمين، للبريطانيين، وهم يرونهم يحتلون البلاد الإسلامية واحدة تلو الأخرى، ويهدمون أكبر معالم الإسلام السياسية، وهي الخلافة الإسلامية العثمانية. وكانوا يتابعون بقلق شديد التغول الصهيوني في فلسطين في ظل الانتداب البريطاني، وتهديدهم لبيت المقدس والمسجد الأقصى، وهو ما اعتبروه سلسلة في المحاولات البريطانية لمحاربة الإسلام وطمسه، كما رأوا فيه استيطاناً مدمراً يشابه ما مروا به عبر أكثر من قرن من الزمان، الأمر الذي أوجد موقفاً موحداً في الهند بين جميع الطوائف والاتجاهات السياسية بالتعاطف مع قضية فلسطين ورفض المشروع الصهيوني.

ويمكن لنا من خلال استقراء تاريخ الدعم الهندي لفلسطين تقسيمه إلى ثلاث مراحل زمنية هي كما يلي:

أولاً: قبل الاستقلال 1947م

لقد كانت قضية فلسطين قبل استقلال الهند، بلا شك، هي قضية إسلامية بامتياز، فالمسلمون في تلك المرحلة كانوا موحدين في دولة واحدة (الهند حالياً وباكستان وبنغلاديش) ونسبتهم تشكل حوالي 40% من السكان، وقد تبنوا قضية الأرض المقدسة وبيت المقدس والمسجد الأقصى كقضية دينية، علماً بأنهم كانوا أكبر تجمع للمسلمين في العالم وكانوا يتصفون بالقوة، إذ كانوا حكام الهند قبل الاستعمار البريطاني، وهم الأغنى والأفضل تأهيلاً وتعليماً في العالم الإسلامي، كما أنهم كانوا القوة الأساسية في الهند والتي يمكن أن تحوّل الهند لجحيم لا يطاق بالنسبة للاستعمار البريطاني، الأمر الذي جعل وزارة المستعمرات البريطانية تتريث وتتلكأ بتنفيذ وعد بلفور والذي قطعته بريطانيا للحركة الصهيونية عام 1918م مخافة من ردة فعل مسلمي الهند. وهذا يفسر نقمة رموز الحركة الصهيونية كحاييم وايزمن وبن غوريون وبيغن على البريطانيين، واتهامهم بريطانيا بالتنصل من وعودها والخضوع للضغط العربي، إذ كانت القناعة السائدة في وزارة المستعمرات أن خطوة من هذا النوع يمكن أن تفجر الوضع في الهند وتجعله غير قابل للسيطرة، ويهدد بخسارة الهند كمستعمرة، والذي يمكن أن يجعل النظام الاستعماري البريطاني كله ينهار، وهو ما حصل لاحقاً لاسباب أخرى.

من المعلوم أن الحركة الوطنية الهندية كانت تعمل حساباً كبيراً لموقف المسلمين من باب الحرص على الوحدة الوطنية ومن باب التنافس في تبني القضايا العادلة. فعلى سبيل المثال تبنى موهنداس غاندي (مهتما غاندي) موقف المسلمين من موضوع الخلافة الإسلامية، محاولاً أن يستغل هذه المساندة للحصول على دعم المسلمين. ومن الملاحظ أن بريطانيا لم تستطع أن تتخذ هذه الخطوة حتى أعلنت في عهد حزب العمال؛ الانسحاب من الهند عام 1947م، ودخلت الهند في حالة صراع دموي كنتيجة لعملية انفصال باكستان (الغربية والشرقية حينها) عن الهند، مما أشغل المسلمين بأنفسهم وشتت قوتهم وأضعف تأثيرهم المحلي والدولي.

ثانياً: ما بعد الاستقلال حتى نهاية الحرب الباردة (1947- 1992)

أوجدت أجواء الاستقلال عن بريطانيا وانفصال باكستان وما رافقهما من أحداث وأهوال؛ جواً شديد الارتباك بين مسلمي الهند، فقد خسروا وزنهم السياسي والاقتصادي وفي كل الصعد إلى حد بعيد. وفي ظل هذا الانشغال أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين، وتم الإعلان عن تأسيس دولة إسرائيل. منذ ذلك الحين لم يعد للمسلمين ذلك الوزن والاعتبار في سياسة الهند الخارجية، فالموقف البراغماتي الذي كان موهندس غاندي (ماهتما غاندي) مضطراً لاتخاذه لإرضاء المسلمين في قضايا عدة، منها على سبيل المثال قضية نصرة الخلافة العثمانية ومناهضة المشروع الصهيوني، لم يعد ضرورياً عندما أتى جواهر لال نهرو إلى الحكم عقب الاستقلال، لكن برزت اعتبارات جديدة شجعت الحكومة الهندية على المضي في نفس الطريق.

نشأت الطبقة السياسية التي حكمت بعد الاستقلال في ظل الحكم البريطاني، ودرست في مدارسه وجامعاته وتشربت الفكر الغربي وتأثرت بأسلوب حياة الإنجليز، وبلغ أفرادها من الإلمام باللغة الإنجليزية أن فاقوا الإنجليز أنفسهم في هذا المجال؛ إذا علمنا أنّ أول مكان تم تدريس الإنجليزية فيه كمادة دراسية كان الهند ثم بعد ذلك كمبردج، ولم تختلف نظرتهم للحكم عن الأسلوب الذي كان سائداً في بريطانيا وقتها، وكذلك حصل في بقية المستعمرات التي منحتها بريطانيا الاستقلال، فتبنوا النظام الديمقراطي العلماني البراغماتي.

كان تأثرهم بالطرح الاشتراكي واضحاً، وذلك في محاولة منهم للمزج بينه وبين النظام الرأسمالي في مجال الاقتصاد للوصول إلى ما يسمى نظام الرفاه، على غرار النموذج الياباني، ولكن جاءت الحرب الحدودية مع الصين عام 1962م، لتكون هزيمة مذلة لنهرو وطبقته، فأسهم ذلك بأن ينأى بنفسه عن المعسكر الشرقي، وبنفس الوقت لم يستطع الانضمام إلى المعسكر الغربي، معسكر الاستعمار الذي عانت منه بلاده كثيرا، وما زالت الروح الوطنية مشحونة ضده.

كان الحل بإنشاء منظمة دول عدم الانحياز، والتي جمعت الهند بدول أخرى عربية وإسلامية مثل مصر وإندونيسيا، فحل المؤثر الإسلامي الخارجي بالضغط على موقف الهند من إسرائيل بدل المؤثر الإسلامي الداخلي والذين تضاءل كثيراً بعد الاستقلال، كما سبق ذكره. ولعب قرب الهند من روسيا، مقابل تقارب باكستان مع أمريكا، عاملاً آخر باعتبار إسرائيل عضواً في المعسكر الغربي، والذي تتخذ منه منظمة عدم الانحياز موقفاً حاداً لأسباب تتعلق بمواجهة المشروع الاستعماري والتعامل مع آثاره. كما كان لموقف الكثير من المثقفين الهنود الرافضين للاستعمار، ولحركات التحرر المحلية، دور في كبح جماح أي تقدم باتجاه إسرائيل بوصفها امتدادا للمشروع الاستعماري وصنيعة له. وبهذا نفهم دعم الهند في زمن نهرو، وبعده ابنته أنديرا وابنها راجيف، وحكومات حزب المؤتمر الهندي الحاكم لمنظمة التحرير الفلسطينية، وخصوصاً الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، والذي ساءت علاقته مع باكستان ووصلت إلى شبه قطيعة إثر إعدام الجيش لرئيس الوزراء ذو الخلفية اليسارية ذو الفقار علي بوتو 1979م.

ثالثاً: ما بعد اتفاقية أوسلو وحتى الآن

عقب ضعف الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات، وظهور ميخائيل غورباتشوف (1985-1991) بنظرية البريسترويكا (إعادة البناء) والتي كان مؤادها لاحقاً تفكيك الاتحاد السوفياتي، ظهر جلياً أن المعسكر الشرقي قد تلقى ضربة قاضية لن ينهض بعدها أبداً، فأصبحت الحاجة إلى تكتل وسطي بين المعسكرين منتفية، وبذلك انتهت عملياً منظمة دول عدم الانحياز، رغم أن المؤتمر الأخير قد عُقد عام 2012م في طهران.

عندما رأت الحكومة الهندية أن إسرائيل خرجت رابحة من الحرب الباردة، نتيجة لتحالفها مع المعسكر الغربي، وأنها باتت تشكل مدخلاً مثالياً لتقوية علاقاتها مع القطب الأوحد في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، وأنّ الفلسطينيين بدورهم يتفاوضون سراً وعلانية مع إسرائيل وهم على وشك توقيع اتفاق معها، استدعى رئيس الوزراء الهندي ناراسيما راو (1921م- 2004م) الدكتور خالد الشيخ، سفير فلسطين في نيودلهي، وأخبره أنهم سيعيدون العلاقات مع الكيان الصهيوني، عندها أسرع ياسر عرفات إلى الهند وقابل رئيس الوزراء الذي أكد له أنه من مصلحة الهند في هذا الوقت إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وهو ما حصل بالفعل في نفس العام 1992م، وذلك قبل توقيع اتفاقية أوسلو، فخرج عرفات غاضباً من الهند ولم يعد إليها حتى وفاته. ولعل عرفات كان يريد استخدام علاقته مع الهند كورقة تفاوضية لتحسين وضعه في المفاوضات مع إسرائيل، لكن راو بتعجله أفسد عليه هذه الورقة.

منذ اتفاق أوسلو صارت مواقف الحكومة الهندية أكثر براغماتية تجاه القضية الفلسطينية، وخصوصاً وهي لم تعد تستشعر أي نوع من الضغط باتجاه مساندة الشعب الفلسطيني، ما خلا ضغط بعض الدبلوماسيين والمفكرين الهنود والذين عندهم مواقف مبدئية من الصراع، ولذا حرصت على أن تقدم دعماً محدوداً للسلطة الفلسطينية وتقيم، بالمقابل، علاقات على كل المستويات مع إسرائيل في مجالات تكنولوجيا الفضاء والصواريخ، والأمن، والزراعة والري، ومجالات لا يتسع المقام لذكرها، لدرجة أن الهند اليوم صارت أكبر مستورد سلاح من إسرائيل، بقيمة تبلغ ستة مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن أوجه التعاون الأخرى.

زاد في ضعف القضية الفلسطينية؛ الإفلاس الوطني للسلطة الفلسطينية، بعد تآكل دور منظمة التحرير الفلسطينية، ونبذ المقاومة لصالح التسوية المأمولة، وتخلي الدول العربية والإسلامية عن أي دور في هذا المجال، حتى أن الرؤساء العرب والمسلمين لا يذكرون القضية الفلسطينية خلال زياراتهم ومحادثاتهم مع الهند على الإطلاق، بل إنهم ما عدا إيران، موضع انتقاد المثقفين والسياسيين الهنود من المسلمين وغير المسلمين. ولعل من أهم العوامل التي أضعفت قضية فلسطين في الهند؛ صعود القوميين الهنادك إلى السلطة، ممثلين بحزب الشعب الهندي الذي تنبع عقيدته السياسية من تخويف الأغلبية الهندوكية من المسلمين، واعتبار المتطرفين منهم أن أي قوة للمسلمين في العالم حيث وجدوا ستنعكس قوة لمصلحة عدوهم المفترض - مسلمي الهند - وبالتالي من مصلحتهم التحالف مع كل من يعادي المسلمين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، غير أن الحكومة الهندية ما زالت تحاول ممارسة نفس الدور الذي سبق وصفه، وهو إيجاد حالة من التوازن الظاهري وعدم الإنحياز المعلن لإسرائيل.

إذن نستنتج أن الموقف الهندي المبدئي - أو ما بدا أنه كذلك - منذ أربعينيات القرن الماضي؛ تحول باتجاه سياسة واقعية براغماتية لا تختلف كثيراً عن الحكومات الأوروبية التي تدفع بعض المساعدات المالية للسطلة الفلسطينية، بينما تفتح الأبواب على مصراعيها لكل أنواع العلاقة مع الكيان الصهيوني، وهو موقف لم يبدأه الحزب الحاكم حالياً، بل بدأ زمن حزب المؤتمر الهندي كما أسلفنا، وربما مرد ذلك إلى انقراض جيل المبادئ الذي عاصر استقلال الهند، والذي كان ينظر إلى الهند كطليعة وزعيم تيار مناهضة الاستعمار في العالم.

لم يعد لفلسطين وقضيتها اليوم في الهند كبير اهتمام على الصعيد العام للأسباب التي سبق ذكرها، فالقوى التقليدية التي تقف عادة إلى جانب الفلسطينيين، كاليساريين، مُنوا بخسارة فادحة أضعفتهم كثيراً؛ إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال الشيوعية، فانحصر تأثيرهم في بعض الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، وضعف في البرلمان بشدة. وأما المسلمون فهم منشغلون بمشاكلهم وقضاياهم التي لا تنتهي، وفعاليتهم المناصرة لفلسطين، وإن كانت موجودة، فهي قليلة وجمهورها عادة من المسلمين، وقد تُحدث أحياناً ضرراً أكثر مما تجلب نفعاً للفلسطينيين. ولعل الحادثة التي أدت إلى إبعاد سفير فلسطين في الهند الدكتور خالد الشيخ مثال على ذلك، ففي عام 2004م نظّم بعض المسلمين في حيدر أباد فعالية عن فلسطين، وانتقدوا فيها دور الحكومة والحزب الحاكم في اضطرابات ولاية كجرات، والتي راح ضحيتها عدد كبير من المسلمين، في حضور السفير الفلسطيني، ورغم أنه لم يعلق على الموضوع ولم يشارك فيه، طلبت الحكومة من عرفات استبداله، وهو ما كان. وهناك بعض الحضور للموضوع الفلسطيني في الصحافة الهندية، وخصوصاً المسلمة، ولكنها صحافة غارقة عموماً في الهموم المحلية واالسياسة الداخلية. ويمكن في هذا المقام ذكر الدور الإيراني الذي يستغل قضية فلسطين للترويج لنفسه وفكره، وحضوره ملموس وواضح في الصحافة المحلية بين المسلمين وغيرهم، وكان من آثار ذلك الموقف المحتقن ضد السعودية الذي يلمسه الزائر لدى الهنود عموماً، وإن كانت الدعاية الإيرانية سبباً ضمن أسباب أخرى كثيرة.

خلاصة

رغم تراجع القضية الفلسطينية في الهند، وتحقيق الكيان الصهيوني مكاسب ضخمة هناك في المرحلة التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن التخلي عن الهند فلسطينياً وعربياً يُعد خطيئة كبرى، إذ ستتمكن القوى المعادية للقضايا العربية، ولمشروع التحرر الفلسطيني، من تحويل ما تبقى من تعاطف مع فلسطين والعرب في هذه الدولة الضخمة، ذات القوة المتصاعدة، إلى حالة عداء سافر ستسبب ضرراً هائلاً لنا. كما أن إحياء هذا التعاطف وتطويره والبناء عليه، وإن كان عملية شاقة ومكلفة، ممكن، وقد تفلح باستعادة ما تم فقدانه خلال السنوات السابقة، ووضع عراقيل أمام التوسع الصهيوني، ما يجعل أية محاولة للهند للإبقاء على العلاقة معه أو تطويرها مكلفة لا يحتملها أي سياسي، فضلاً عن تحقيق مكاسب هامة على المدى البعيد، آخذين بعين الاعتبار أن الهند بلد مترامي الأطراف، متعدد الثقافات واللغات، ويحتاج لبذل جهود هائلة وأموال طائلة، وخطة عمل تضم القوى العربية والإسلامية المتاحة إلى القوة الفلسطينية من أجل الحصول على أكبر تأثير وأسرع نتيجة. وفي ظل غياب ذلك، لا ينبغي الغفلة عن الاستفادة من العلاقات الطيبة مع بعض الدول والجهات التي يمكن أن يكون لها مصالح تتقاطع مع مصالح الشعب الفلسطيني في الهند، والتعاون معها للوصول إلى الهدف.
التعليقات (0)