كتاب عربي 21

أوقفوا خطاب الكراهية

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
يبدو لنا أن صناعة خطاب الكراهية عملية استطاع الانقلاب العسكري أن يقوم بها باقتدار ليس فقط ليبرر انقلابه أو يدعي أنه يواجه حربا أهلية، ولكنه عبر عن سياسة المستبد الذي ورث سياسة "فرق تسد" عن الاستعمار اللئيم فصار ذلك أسلوبا للاستبداد المقيم، يحاول صناعة الكراهية من كل طريق حتى يمكنه تفريق الناس شيعا وفرقا وأن ينقل الصراع من مواجهته إلى صراع داخلهم وبين أنفسهم، يقيم المستبد وبطانته أحوالا من الكراهية قد توجد نوازعها فإن لم توجد اصطنعوها.

هكذا كانت سياسة المستبد بأذرعه المختلفة ويقع على رأسها سدنة الاستبداد من إعلام الإفك الذين يدشن هذه الصناعة، ويروج لمنتجاتها في محاولة منه أن يجعل حال الفرقة والتنازع حال خطيرة ومستمرة، في إطار تزكية هذا الشعار الذي اتخذوه "أنتو شعب وإحنا شعب"، ومن المؤسف حقا أن يستخدم مفردات خطاب الكراهية على أوسع نطاق، ليكرس حال الشقاق، ويمكّن لأحوال من التنازع والفرقة والاستقطاب، مستخدما كل مفردات السباب والهجاء والتخوين والتحريض على قتل النفوس وإراقة الدماء.

أمر خطير أن يحدث ذلك في المجتمع بشكل خطير يؤدي إلى تمزيق شبكة علائقه الاجتماعية وعلاقاته المتماسكة ويزرع من قنابل إفكه الموقوتة ما يحرك نوازع الكراهية بين الشعب الواحد والجماعة الوطنية مستهدفا تماسكها ولحمتها، من هنا كانت الأهمية القصوى لأن يفطن الناس من أن بيئة الكراهية هي أسوأ سياق لصناعة الخراب في المجتمع ومحاولة شقه أفقيا وطوليا، ليعبر عن حالة خطيرة من فرقة لا تجبر ومن فتنة لا ترفع.

ومن هنا يبدو أن غضبة مجتمع من الناس يتنادون بكل طريق ومن كل مكان ومن كل اتجاه للاتفاق على شعار ونداء حركي (أوقفوا خطاب الكراهية)، عهد وميثاق يعبر في معانيه ونداءاته عن حركة واعية وفاعلة تشكل استشعار الجميع للخطر من هذا الخطاب على الدولة والمجتمع معا، وأجدني أحمل هذه الدعوة للإشارة إلى نص هذا الميثاق في هذا المقال، كتأييد حقيقي، إذ أمثل هذا الميثاق ويمثلني بما يحتوي من معان ومفردات ونداءات وشعارات.

ميثاق الشرف الوطني

أوقفوا خطاب الكراهية

نحن الموقعون على هذا الميثاق

من أجل كل القيم والمعاني المقدسة

التي هتفت بها جموعنا في ميادين الثورة

طوال ست سنوات مضت

وسقط من أجلها آلاف من شهدائنا

وأعتُقل – دفاعا عنها – آلاف من شبابنا

من أجل ما سبق –وغيره - من القيم التي نقبل بها باختلاف قبعاتنا السياسية والحزبية وتوجهاتنا الفكرية

 نعلن اليوم الآتي:

أولا: نؤمن إيمانا جازما أن فُرقة شركاء ثورة يناير هي بيت الداء، والثغرة التى نفذت منها رياح عاتية أجهزت على مكتسباتها، وأهدرت الكفاح من أجلها، وأصابت البوصلة بالعطب، في الوقت الحرج ولا أحد منزّه عن الخطأ والمسؤولية.

ثانيا: نؤمن أن خطاب الكراهية الذي يتم الترويج له قد تجاوز حدود الخلاف – بل حتى الصراع – السياسي، وبات ينسف أُسس الوفاق الوطني، ليس فقط بين المتصارعين، بل بين أصحاب المواقف المشتركة، وبات مجرد الإشارة إلى هذا الوفاق، سُبّة في جبين من يشير إليه.

ثالثا: يؤمن الموقعون على هذا الميثاق أن إنقاذ الوطن مما يتعرض له، واستعادة مكتسبات ثورته وحريته وحقوقه مسؤولية يتحملها الجميع مقرين ومستفيدين – جميعا – من أخطاء الماضي متوافقين على حق الجميع أن يكونوا شركاء فى بناء المستقبل، وهو ما ينبغي معه دعم المشترك والسعي لاستعادة روح – ولُحمة – الجماعة الوطنية المصرية من خلال الآتي:

(1) وقف خطاب الكراهية بين أطياف المجتمع ومكونات الأمة، وإدانة كافة أشكال التنابز، والتخوين، والإهانات أياً كان مصدرها أو دافعها أو تورط الآخرين فيها.

(2) إدانة كافة أشكال التحريض على الدم والعنف والكراهية والفتنة بين المصريين، فكل الدم المصري حرام.

(3) وضع قواعد أخلاقية ووطنية للتشابك في الآراء والمواقف واحترام حق الآخر فى الاختلاف في الرأي وفى التعبير عن مواقفه السياسية ورفض الإقصاء بصوره كافة، ودعم المشترك واحترام معتقدات الأخرين وعدم السخرية منها أو الاستخفاف بها.

(4) تشكيل لجنة من الحكماء والشخصيات العامة، معبرة عن اتجاهات مختلفة وتتكون من تسعة من بين الموقعين على هذا الميثاق، ولها أن تضم من أهل الخبرة ستة أعضاء، ويعاد اختيارها كل ستة أشهر وتختار من بين أعضائها رئيسا ونائبين للرئيس وأميناً عاماً وفى كل الأحوال يرأسها أكبر الأعضاء سنا في أول جلساتها وإذا خلا موقع الرئيس.

وتكون مهمتها هي:

أ: متابعة الالتزام بما ورد في هذا الميثاق.

ب: اتخاذ ما تراه مناسباً في شأن من يخرج على المبادئ والقيم الواردة فيه، سواء كان هذا الخروج من أفراد يمثلون أنفسهم أو كيانات أو مؤسسات إعلامية وبغير أثر رجعي.

ج: يحق للجميع طلب الاحتكام لهذه اللجنة بما لها من سلطة أدبية ومعنوية مستمدة من الإجماع حول قيم هذه الوثيقة، وشرف الانتماء لها.

فالثورات العظيمة تستمد قوتها من مدى التزامها بقيم عليا وآليات محترمة في تحقيق غاياتها النبيلة.

إن هذا الميثاق أولى الخطوات الصحيحة والبصيرة لمواجهة تلك الصناعة الانقلابية القميئة، صناعة الكراهية الخطيرة، إنها القاعدة الحقيقية لبدء الإشارة الفاعلة والعاقلة على طريق وفي سياق المصالحة المجتمعية، وحينما نؤكد على المصالحة الاجتماعية فإننا نؤكد على أمرين:

الأول: هو أن تلك المصالحة المجتمعية هي الهدف الأساس، وهي أهم من تلك الطنطنات حول مصالحات سياسية هنا وهناك، إن الاهتمام بالمشاكل الاجتماعية التي أصابت الجماعة الوطنية في مقتل هي الأهم والأولى بالاهتمام، وبالهمة لعمل غاية في الأهمية لا يمكن أن يستشرف طاقاته وقدراته إلا بإيقاف خطاب الكراهية الذي يحاول أن يدشن لحرب أهلية في إطار تلك المقولة التي ورثت "أن حروب اللسان غالبا ما تسبق حروب السنان" وهذا أخطر ما يمكن أن يتعرض له المجتمع ولا تنهض فئة واعية منه للانذار والتحذير والدعوة إلى نبذ الكراهية والحفاظ على لحمة الوطن والجماعة الوطنية.

الأمر الثاني: أن هذا الميثاق قد أتى قبل سويعات من حادث لئيم استهدف الكنيسة البطرسية وأوقع ما أوقع من ضحايا،يقدم هذا الميثاق موقفا استباقيا يؤكد فيه على أن "كل الدم المصري حرام"، وأن أي تحريض لخطاب الكراهية إنما يؤكد على تورط بعض منا على استسهال لغة الكراهية والتحريض وهو أمر ينال من الوحدة الوطنية ومن جمعيتها ولحمتها المجتمعية.

إن ذلك في واقع الأمر إنما يعبر عن إحياء لمشروع الجماعة الوطنية في كل كمالاته ومجالاته، سواء ارتبط بالتعامل بين القوى السياسية الوطنية أو بين عناصر نسيج الأمة ضمن مصالحة مجتمعية شاملة، إن ذلك ليعبر عن صمام أمان لهذا الوطن ويحمي هذا الشعب من كل ما يمكن أن يهدد عناصر تماسكه فتنفرط وشائج علاقاته التي تشكل رأس مال اجتماعي لا يجوز التفريط فيه، ذلك أن الانقلاب يقوم كل ما من شأنه من عمليات تخريب متعمد للوطن سواء في بناه الأساسية أو في بنيته وشبكة علاقاته المعنوية. 

التعليقات (1)
محمد الدمرداش
الأربعاء، 14-12-2016 03:47 م
لا تخف ............ أن أى مجتمع قبل أن تقوم فه ثورة لدية من القوانين و الأعراف التى لا يجب تجاوزها و منْ يتخطها يعاقب و يردع و لما كانت هذه القوانين و الأعراف لا تفى بعدل أو حرية و أو عدالة أجتماعية ترسخت فى وعى و وجدان و ضمير عموم المصريين و كانت الثورة التى هى فى ظاهرها خروج على القوانين و الأعراف و من مسلمات الأمور أن لكل ثورة حقيقية متلازمة تسمى الثورة المضادة للحفاظ على مكتسبات زمرة المنتفعين و المسيطرين و المهيمنين و المتسلطين بسلطة و كان الأنقلاب و لكن ليس فى جعبته جديد و لا يرسخ لعلاج للمسائل الأساسية التى أخرجت جموع المصريين فى ثورة بلغ تعدادهم فى يوم مرصود و مشهود حوالى 20 مليون نسمة فى جميع أرجاء مصر و هذا يؤكد على إيمان عميق بالثورة و كل يوم يزداد و يطرد مهما صنع الأنقلاب الذى لا يحسن صنعاً و أذرعة الأعلامية التى رفضت من الشعب المسيحى على أبواب الكتدرائية فى الصباح و فرضت فرضاً فى المساء و بالقطع و دون أدنى شك ميثاق نبذ الكراهية مطلوب و التوحد سبيل وصول الثورة إلى مبتغاها لأنه كامن فى النفوس المتطلعة إلى مستقبل أفضل رافضة لواقع فاشل مرير مكلومة و مجروحة من نظام عقيم