بورتريه

دونالد ترامب "الشعبوي".. رئيس خارج التوقعات (بورتريه)

ترامب بورتريه
ترامب بورتريه
فوز أكثر من صدمة وخارج التوقعات، ومن أكبر الخيبات في التاريخ  السياسي، وفقا للكاتب دان بلاز في صحيفة "واشنطن بوست". وعندما أعلن عن ترشحه للرئاسة الأمريكية في حزيران/ يونيو العام الماضي، كان الوحيد الذي أخذ هذا الأمر على محمل الجد، وتعامل معه الجميع كنوع من الترفيه الذي اعتاد تقديمه في التلفاز. أخطاؤه كانت تطغى على صفاته.

 لكن الكثير من الناخبين البيض كانوا مستعدين لتجاوزها ومغفرة ذنوبه، والتركيز على تبنيه لقضايا المهمشين والقلقين اقتصاديا والذين خذلتهم سياسات بارك أوباما على مدى ثمانية أعوام، وشحن الناخبين بأن النخب خانتهم والاتفاقات التجارية الدولية تهدد وظائفهم. وقالت الصحافة مرارا، إنه انتهى سياسيا، خصوصا بعد نشر تسجيل قديم يتبجح فيه بأنه يستطيع فعل ما يشاء بالنساء، لكنه خرج من تحت الركام وتحدى استطلاعات الرأي التي خلصت جميعها إلى فوز منافسته هيلاري كلينتون. هو في حالة غضب دائمة ومزمنة وأقرب إلى رجل الشارع والغوغاء، وتطغى على تصريحاته السطحية والجهل. 

ينطلق من ثقة هوجاء بالنفس، متعصب، ومسكون بالحديث لوسائل الإعلام حد الهوس. يدرك أن السلطة والظهور الشخصي ولو على حساب المبادئ توأمان غير قابلين للتجزئة، وخصوصا بالنسبة لدولة وإمبراطورية مصابة بخسائر جمة على الصعيد العسكري والاقتصادي والإنساني.

أدار حملة انتخابية شعبوية لا تحمل أي أفكار تستحق النظر إليها أو قراءتها قراءة متأنية، وهي تخاطب أولئك "الذين لا يعرفون شيئا"، وهو أكبر حزب في الولايات المتحدة، حزب "الديماغوجية"، وللمصادفة فإنه حزب مؤثر ومستودع للأصوات الانتخابية.

يستخدم خطابا يثير الكثير من الجدل في أمريكا وخارجها، نظرا لما يحمله من كراهية للأجانب وعداء صريح للمسلمين، جعل الكثيرين يصفونه بـ"الفاشي". تصريحاته مثار اشمئزاز لدى الكثير من الأمريكيين، بمن فيهم المحسوبون على "المحافظين"، الذين اعتبروها "فاشية" لا تخدم مستقبل "الجمهوريين".

 وكثيرا ما ظل الخطاب الشعبوي حاضرا في الحملات الانتخابية الأمريكية، لكنه لم يكن بهذه الجراءة والوضوح، وفي أحدى خطاباته دعا في حملته الانتخابية إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، معتبرا أن الأمر "ضروري لضمان أمن" البلاد.

 وكشفت تقارير إعلامية أمريكية عن أن المغذي الرئيس لأفكار ترامب المتشددة ضد الإسلام هو فرانك جافني، وهو باحث مغمور مصاب بـ"الإسلاموفوبيا" ويعتمد عليه ترامب بترويج نظريات المؤامرة.

وسبق له العمل لأربع سنوات في وزارة الدفاع الأمريكية بحقبة الرئيس الأسبق رونالد ريغان، ويصفه مركز "ساوثرن بوفرتي"  المعني بمراقبة الدعوات والنزعات العرقية المتشددة بأنه "أحد أعتى دعاة الإسلاموفوبيا بأمريكا"، وهو يعتزم إضافته إلى قائمة "دعاة الكراهية" للعام 2016. ومنع المسلمين من دخول أمريكا ليس هو الطرح الاستعلائي الوحيد لديه؛ فهو صاحب "خطة ترامب" التي تقوم على تقديم حل للصراع العربي الإسرائيلي، فهو اقترح قائلا: "أعطوا الجزيرة الأمريكية بورتوريكو للفلسطينيّين كتعويض عن خضوعهم لإسرائيل".

ووفقا للخطة؛ تقوم الولايات المتّحدة بالمساعدة في تمويل عملية نقل 4 ملايين مواطن من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى بورتوريكو.. وأوضح ترامب "أن مساحة بورتوريكو أكبر من مساحة الضفة الغربية ومن مساحة غزة". وأضاف ترامب: "حتى أنا شخصيا سأنشئ لهم نسخة مطابقة للمسجد الذي يقتلون بسببه الإسرائيليين الأبرياء"، وفقا لزعمه. يجني الملايين من مشاريع في تركيا وإندونيسا وأذربيجان والإمارات، ويُظهر أحدث إفصاح مالي شخصي، طلب من جميع المرشحين للرئاسة الأمريكية وعلى موقعه على الإنترنت، مشروعات له في دول إسلامية. وتراوحت حياة ترامب المولود في حزيران/ يونيو عام 1946، بين مشاريع عقارية ضخمة وبين خسائر وانتكاسات مالية عديدة، وتهرب من سداد القروض للدائنين وتهرب ضريبي.

 فهو وريث لأحد الأثرياء وملاك العقار في مدينة نيويورك، وتأثر تأثرا شديدا بوالده، فآل به المطاف إلى وراثة مهنته في مجال التطوير العقاري، وبحسب مجلة "فوربس" وصلت ثروته إلى 4 مليارات دولار. درس في جامعة "فوردهام" لمدة عامين قبل أن ينتقل إلى كلية "وارتون" التابعة لجامعة "بنسلفانيا"، بعد تخرجه في عام 1968 وحصوله على بكالوريوس في علوم الاقتصاد، بدأ حياته المهنية في شركة والده، وتركز عمله في البداية على الطبقة المتوسطة أسوة بوالده، باستئجار المساكن في بروكلين وكوينز وستاتن آيلاند. في عام 1971، نقل ترامب مقر إقامته إلى مانهاتن، وكانت بدايته في مجال الأعمال في السبعينيات بقرض صغير - على حد وصفه - قدره مليون دولار فقط من والده، وكانت أبرز نجاحاته في العقارات من خلال المشاريع العملاقة المربحة مثل مشروع فندق "غراند حياة" بمانهاتن عام 1980، وهو المشروع الذي جعله أكبر وأشهر رجال الأعمال في المدينة وقتها.

بحلول عام 1989، وآثار الركود الاقتصادي، أصبح ترامب غير قادر على الوفاء بدفعات القرض، لكنه عزز أعماله التجارية مع قروض إضافية وتأجيل مدفوعات الفائدة، إلا أن زيادة الديون بحلول عام 1991 دفعته إلى حد الإفلاس الشخصي، لكن المصارف اختارت  إعادة هيكلة ديونه لتفادي خطر فقدان المزيد من المال.

ومع دخول عام 1994، كان قد تمكن من التغلب على مشاكله المالية، وشهدت أواخر التسعينيات تصاعدا في وضعه المالي وفي شهرته. ومع بوادر الأزمة المالية عام 2008 امتنع عن دفع قرض بقيمة 40 مليونا لـ"دويتشه بنك" بحجة  أن هذه الأزمة "هي قانون الله". استثمر صورته كرجل أعمال ناجح في التلفزيون عندما شارك في برنامج تلفزيون الواقع" The Apprentice" ثم في النسخة الجديدة من البرنامج "The Celebrity Apprentice"، وظهر في عدة حلقات من مباريات مصارعة المحترفين. ورغم أنه لم يتول منصبا سياسيا فقد حاول الحصول على ترشيح حزب صغير في الولايات المتحدة، هو "حزب الإصلاح" لانتخابات عام 2000، إلا أنه انسحب من المنافسة بسبب أدائه الذي لم يحقق شعبية في الحملات الدعائية بكاليفورنيا ولكن لم تتوقف طموحاته السياسية عند هذا الفشل. في عام 2012 عاد وأعلن تفكيره في الترشح للرئاسة مجددا، إلا أن سمعته السياسية وقتها تضررت بسبب علاقته بمجموعة "Birther" التي تعتقد أن الرئيس باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، ولذا فإنه لا يحق له تقلّد الرئاسة. وبقي ترامب منتقدا حادا لأوباما، ليس فقط بخصوص محل ميلاده، بل أيضا في كل سياساته تقريبا. 

وهو يمثل ما يسمى "الفاشية الزاحفة" التي ينبغي رفضها، وفقا لتعبير صحيفة "سياتل تايمز"، كما نشرت عددا من التسجيلات المناهضة له، على غرار إعلان قصير بث على الإنترنت أطلقه حاكم أوهايو، جون كيسيك، يربط ترامب بـ"ألمانيا النازية".

ونشر ترامب كتابا وصف فيه بلاده بـ"المريضة"، استعرض فيه ما يصنفه بأنه آفات تعاني منها الولايات المتحدة. ويحمل الكتاب عنوان "أمريكا المريضة: كيف نستعيد عظمة أمريكا؟". ويدافع فيه أيضا عن رغبته في بناء جدار على طول الحدود المكسيكية، مشيرا إلى الحاجز الفاصل الذي بنته "إسرائيل" في الضفة الغربية المحتلة "الفعال إلى حد كبير في صد الإرهابيين" في نظره.

حديثه المستمر عن الهجرة غير الشرعية، وإثارة العامة ضد المسلمين، تعد أعلى قيمة تتميز بها حملته الانتخابية، وهو حديث شعبوي لكنه مؤثر في العامة. تهيج عواطف ومخاوف الناخبين هي "التيمة" التي لعب عليها ترامب في حملته الانتخابية، وليس ثمة برامج أو خططا يمكن مراجعتها لتقييم حملته الانتخابية، وفي النهاية فإن الناخب الأمريكي يصوت بناء على من يحقق مصالحه ويخفف الضرائب ويحسن مستوى المعيشة. وحين أعلن عن ترشحه، كانت قلة قليلة فقط ترى أن له نصيبا في الرئاسة، إلا أنه استطاع أن يتجاوز منافسيه الأقوياء ويكون الخصم القوي لكلينتون. ويرى ترامب أن على الولايات المتحدة ألا تتدخل في سوريا بشكل كبير، وقال في تصريحات في أيار/مايو الماضي إنه في حال فوزه "لن يحارب الأسد" لأن بلاده "لديها مشاكل أكبر منه".

ويتبنى مبدأ تقليص تدخل الولايات المتحدة في سوريا، ففي أيلول/سبتمبر الماضي، طرح فكرتين في مقابلة مع برنامج "60 دقيقة" على شبكة "سي بي إس" الأمريكية. الفكرة الأولى تتعلق بـ"السماح لداعش بقتال الأسد وبعد ذلك التقاط ما تبقى"، والثانية "السماح للروس بالتخلص من داعش في سوريا"، ليرسم بذلك إستراتيجية إعطاء مساحة للتنظيم لقتال الأسد، ومساحة أكبر لروسيا لقتال "داعش"، دون تدخل أمريكي. وفيما يتعلق باللاجئين السوريين، عارض ترامب بشدة مشروع أوباما من أجل السماح بقدوم 10 آلاف لاجئ سوري إلى الولايات المتحدة هذا العام.

وحول الأزمة العراقية، كثيرا ما انتقد احتلال بلاده للعراق وأشاد بالرئيس الراحل صدام حسين الذي اعتبره "شخصا سيئا بالفعل، لكن الأمر الجيد الذي فعله هو قتله للإرهابيين". واعتبر أن إدارة أوباما أعطت جزءًا من العراق وسوريا كـ "هدية لإيران". في نفس الاتجاه، جاءت وجهة نظر ترامب تجاه الملف الليبي حيث التدخل العسكري الأمريكي في 2011 للإطاحة بالرئيس الراحل معمر القذافي، معتبرا أن ذلك أنتج العديد من السلبيات في البلاد.

واعتبر أن الضرائب المفروضة في بلاده عالية جدا، ووعد بتخفيضها إلى حد كبير حال فوزه بالانتخابات. ودخل ترامب المنعطف الأخير في سباق الانتخابات الرئاسية في مواجهة منافسته كلينتون التي لازمتها فضيحة البريد الإلكتروني ولم تستطع التخلص منها. ولتأتي نتائج الانتخابات أشبه بالصدمة للعالم وللمحللين والسياسيين، فقد حقق ترامب النصر بسبب تدفق الناخبين البيض في الأغلب، وممن لا يحملون شهادات جامعية، ويشعرون بالإهمال الاقتصادي، ولم تهتم بهم واشنطن، ومن نظرت إليهم النخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية بازدراء، وكان هذا كافيا للإطاحة بكلينتون وحلمها بأن تصبح أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة.

وجاء هو ومعه ملفات وتصريحات وبيانات مثيرة للجدل، ربما لن يقوم بتنفيذ بعضها، أو ربما يخفف من لهجتها ومن مضمونها، لكنه نجح في إثارة مخاوف العامة الذين تدفقوا لانتخابه مسكونين بهاجس إعادة الهيبة لدولة أوشكت على الاضمحلال.
التعليقات (0)

خبر عاجل