كتاب عربي 21

إنه يبيع مصر.. بيع الجزر المصرية (2)

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
اكتست وسائل التواصل الإعلامي بألوان مختلفة من الغضب وأشكال متعددة من الرفض والاحتجاج لتلك الاتفاقية، وانتشر هاشتاج "عواد باع أرضه " انتشار النار في الهشيم في غضون ساعات من التوقيع على اتفاقية بيع الجزر، كما انتشرت التعليقات الساخرة من قبيل: "الأرض مقابل الرز"، "الرز أسلوب حياة"، وغيرها من التعليقات التي تستدعي التسريبات الصوتية الفاضحة للجنرالات عن دول الخليج وغيرها وسبق نشرها في الأعوام الماضية. 

في نفس الوقت بادرت حركة 6 أبريل إلى الدعوة للتظاهر يوم الجمعة الموافق 15 أبريل احتجاجا على هذه الاتفاقية تحت مسمى "جمعة الأرض"، وهو ما حاز على تفاعلات واسعة من شتى التيارات السياسية الموجودة على الساحة بما فيها الإخوان المسلمون، وكانت مظاهرات جمعة الأرض الأولى التي يجتمع فيها خصوم سياسيون ومعارضون من شتى التيارات لأول مرة منذ انقلاب 3 يوليو المشؤوم، وكان مشهد التظاهر أمام نقابة الصحفيين من أكثرها حشدا وثقلا وتنوعا في المشاركة من كل التيارات فضلا عن انضمام خالد على المرشح السابق للرئاسة وصاحب الدعوى القضائية ضد الاتفاقية. 

انتهى اليوم باعتقال عشرات الشباب من أماكن متفرقة للتظاهرات، كما اتفق على التظاهر مرة أخرى يوم عيد تحرير سيناء الموافق الاثنين 25 أبريل. وعلى الرغم من نجاح الأجهزة الأمنية في ضرب تظاهرات 25 أبريل وإحباط كثير من فاعلياتها قبل أن تبدأ وشن حملة اعتقالات استباقية خشية تكرار مشهد 15 أبريل، إلا أن هناك ما يلفت الانتباه في هذا اليوم ويدعو للسخرية، إذ لجأ النظام إلى ممارسات تقليدية، سبق له أن استخدمها مرارا وتكرارا حتى صارت محل تهكم واستنكار حتى من أنصاره، ولجأ النظام إلى تأجير بعض المتظاهرين، مستغلا فقرهم وجهلهم (لم يتجاوز عددهم العشرات) ليطوفوا ميدان التحرير وبعض الأماكن الأخرى بأعلام السعودية تأييدا لمسألة التنازل عن الجزيرتين في ذكرى تحرير سيناء.

وكان من الملفت للنظر أن كثيرا منهم لا يعرفون اسم الجزيرتين بل إن بعضهم لم يعرف سبب نزوله حتى قالت إحدى السيدات المشاركات وفقا لبعض الفيديوهات المنتشرة: "أنا نازلة أنتخب السيسي"، وقالت أخرى: "لو الملك سلمان طلب الأهرامات هانديهاله، وهانديله كمان أبو الهول وأم الهول لو عايز"، بينما حملت أخرى بيادات العساكر فوق رأسها في مشهد مهين للغاية من الناحية الإنسانية فضلا عن السياسية.

بعد كل هذا يخرج الجنرال في خطاب يستنكر حالة الشك وعدم الثقة المنتشرة بين الناس قائلا: "يعني محدش في الوزراء شريف وكلو خاين، محدش في الجيش شريف وكلو خايف، محدش في المخابرات شريف وكلو خاين ...ده انتو حاجة صعبة قوي"، ثم تابع قائلا: "إحنا ما فرطناش في حق لينا، وأدينا الناس حقها.. ووالدتي علمتني إني متطمعش في اللي في إيد غيري... وأنا خدت الضربة في صدري ومرضتش أقولكوا من 8 شهور عشان منأذيش مشاعر الرأي العام في البلدين".
   
وتابع الجنرال موجها حديثا للشعب: "في ظروفنا الاقتصادية الصعبة دي، كان ممكن نفكر أفكار شريرة.. إنه نقوم نقفز على بلد ناخد خيرها، كان ممكن أوي، والظروف كلها كانت سامحة ولا زالت، إن إحنا يوم نعتدي على دولة... ولكن أبدا لن يمكن أن نعتدي على أشقائنا ونستبيح أرضهم، علشان ناخد حاجة من هناك.. لكن علمتني دي والدتي، قالتلي ما تطمعش للي في إيد الناس حتى لو كان اللي في إيد والدك، ما تطمعش، ما تبصش ليه.. اللي عطا الناس يعطيك"، واختتم الجنرال حديثه قائلا: "لازم تطمنوا مش على جزيرتين، تطمنوا على الراجل اللي انتو أمّنتوه على بلدكم وعلى أرضكم وعرضكم.. ومش عايز حد يتكلم في الموضوع ده تاني".

هكذا كشفت تظاهرات الأرض عن حالة الافلاس الشديدة التي وصل إليها هذا النظام الانقلابي المتحكم في مصر منذ 3 يوليو ،كما كشفت أيضا عن وجه القبيح وشدة وقاحته في استغلال حاجة الناس وفقرهم وجهلهم واستخدامهم لأغراض سياسية وامتهان كرامتهم إلى أقصى الحدود، حتى وصل الأمر إلى حد استخدامهم في الترويج لبيع جزء من أرضهم لدولة أجنبية، مهما كانت هذه الدولة وطبيعة العلاقات معها، كما كشفت عن زيف نظام ما فتئ يتهم كل معارضيه بالخيانة والتخابر، ويروج لانقلابه ضد الرئيس المنتخب من مدخل الأرض وحمايتها ممن لديهم أفكار عابرة للحدود القومية للبلاد وفقا لرواية الجنرال في أكثر من مناسبة.

هكذا فتح الجنرال باب تقسيم مصر وانفصال أجزاء عنها على مصرعيه، فلم تكد تهدأ أزمة الجزر حتى خرجت السودان مطالبة بما وصفته "حقها" في منطقتي حلايب وشلاتين الحدودية محل النزاع الدائم والمستمر مع مصر منذ عقود، اللافت في الأمر أن يستخدم النظام السوداني خطابا سياسيا مباشرة واضحا في مواجهة النظام المصري، حيث قالت وزارة الخارجية السودانية في بيان رسمي "إن الخرطوم تتابع الاتفاق المصري السعودي الذي نتج عنه نقل سيادة جزيرتي "تيران وصنافير" من مصر إلى السعودية، وتدعوا الإخوة في مصر للجلوس للتفاوض المباشر لحل هذه القضية أسوة بما تم مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية أو اللجوء إلى التحكيم الدولي امتثالا للقوانين والمواثيق الدولية باعتباره الفيصل لمثل هذه الحالات كما حدث في إعادة طابا للسيادة المصرية".

وتابع البيان: "إن حكومة السودان ستواصل متابعتها لهذا الاتفاق والاتفاقيات الأخرى الملحقة به مع الجهات المعنية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات وترتيبات تصون الحقوق السيادية الراسخة في منطقتي حلايب وشلاتين". هكذا تحدث السوادن، ولا ندرى غدا هل ستتحدث النوبة أم الصعيد أم السلوم أم سيناء، ولا ندري غدا أيضا كيف ستتصرف دول حوض النيل الأخرى التي رأت هذا النظام الانقلابي في تعامله مع سد النهضة الإثيوبي، أو جزيرتي تيران وصنافير.

لا ندري كيف يصل الحال إلى هذا الحد، لكن يمكننا التذكير بمقولة سائدة في الأوساط العربية حولتها الثورات العربية إلى أسطورة، تقول الأسطورة أن العسكريين هم أكثر الناس حرصا على الأرض وحمايتها، بل إن واجبهم المقدس هو حماية الأرض والحدود... في مصر الانقلاب في عصر العسكر وجنرالاتهم ماتت كل الأساطير.. انقلب هؤلاء حتى على الثوابت وأسقطوا للأسف حتى ورقة التوت.
التعليقات (1)
محمد الدمرداش
الثلاثاء، 01-11-2016 10:57 م
الحرة و العاهرة .......... " تموت الحرة و لا تأكل بثديها "هكذا قيل عن العزة و السيادة و العفة و التعفف ؛ أما العاهرة فهي تبيع شرفها لتقتات به ولا تعرف للعزة و الكرامة معنى و لا تدرك ماهية السيادة و العفة و لا التعفف و لذا لا فبسهولة تختطف و تباع في سوق الرقيق

تصويت العار

11-Oct-16 01:23 PM