قضايا وآراء

إسرائيل.. تطبيع محدث ومختلف مع الدول العربية

ماجد عزام
1300x600
1300x600
تواترت الأخبار في الفترة الأخيرة , عن لقاءات وحوارات سرية بين إسرائيل وبعض الدول العربية  والتى شهدت نقاشات حول ملفات سياسية وأمنية في المنطقة، هذا يجرى طبعا بموازة السعي الإسرائيلي لفتح مزيد من القنوات مع دول إسلامية وإفريقية، مع تصاعد وتيرة التطبيع العلني مع الدول التي تملك معها تل أبيب معاهدات وإتفاقات كما في الحالتين المصرية والأردنية غير أنه يجب الإنتباه إلى أن ما يجرى وما نحن بصدده الآن ليس تطبيع بالمعنى أو الشكل التقليدي الذي رأيناه وعرفناه خلال العقدين الماضيين لأن الحكومة  الاسرائلية الحالية اليمينية المتطرفة لا تبدو منفتحة أو متحمسة فكريا لهذا الشكل من التطبيع وهى غير قادرة سياسيا على دفع الثمن المقابل له و لو في الحد الأدنى المقبول فلسطينيا وعربياً.

للتذكير فإن التطبيع التقليدي أو القديم كما طرحه الرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز فى بداية التسعينات من القرن الماضى ضمن تصوره للشرق الأوسط الجديد العنصري والمتعالي طبعا تضمن تزاوج بين العقل اليهودي أي القيادة الإسرائيلية. والتمويل الخليجي والعمالة العربية من الدول الكبرى وهو شمل كذلك تبادل السفارات حدود مفتوحة وحرية حركة للمواطنين والبضائع وتحول إسرائيل بالتالى  إلى دولة طبيعية ضمن النسيج السياسي الاقتصادي في المنطقةٌ.

ولكن كل ذلك  كان على قاعدةِ معادلة الأرض مقابل السلام، و التوصل إلى إتفاق بل إتفاقات سلام نهائية للصراع العربي الإسرائيلي ليس مع الفلسطينيين فقط، وإنما مع لبنان وسورية أيضا بعدما حدث ذلك مع مصر والاردنُ.

غير أن الحكومة الإسرائيلية الحالية اليمينية المتطرفة والمنغلقة ترفض جذرياً فكرة معادلة الأرض مقابل السلام، وهي طرحت وتطرح في مواجهتها معادلة السلام مقابل السلام وحتى السلام الإقتصادى الذي هو أقل درجة حتى من هذه المعادلةِ وحتى من فكرة الحكم الذاتى التقليدية لليمين الإسرائيلي.

وعملياً وجوهرياً هي ليست مقتنعة بفكرة التوصل إلى إتفاق سلام أو حل نهائي للصراع أقله في فلسطين – لا تفكير أصلا في التفاوض أو السعي من أجل التوصل إلى حل نهائي مع لبنان أو سورية - وهى تؤمن اساساً أن الصراع في بعده الفلسطيني غير قابل للحل وإنما للإدارة فقط , وبأقل ثمن أو كلفة سياسية إقتصادية أمنية للدولة العبرية كما هو الوضع الراهن الآن.

وهنا يبدوِ نتن ياهو كتلميذ وفىٍ لمعلمه وعرابه إسحق شامير الذي قال انه سيفاوض الفلسطينيين 100 عام، دون نتيجة أكثر مما يفعل تجاه مؤسس وقائد حزبه الليكود مناحيم بغين، أو أحد أبرز قادته التاريخين أرئيل شارون، وبالتأكيد اكثر مما يفعل تجاه إسحق رابين الذين بحثوا كل على طريقته عن وسيلة أو حل للصراع، حيث إنحاز بيغن إلى فكرة الحكم الذاتي، و بينما تبنى شارون خيار الانفصال الأحادي، اما رابين فقد للتوصل إلى إتفاق أو حل ثنائي بالتفاوض والتفاهم مع منظمة التحرير الفلسطينيةً وطبعا ضمن الثوابت او اللاءات الثلاث الصهيونية الشهيرة لا لعودة اللاجئين لا لتقسيم القدس لا للعودة الى حدود حزيران يونيو 1967.

بناء على ما سبق، فقد استغنت حكومة نتن ياهو ليبرمان بينيت عن مفهوم التطبيع التقليدي في أبعاده العلنية السياسية والإقتصادية الإجتماعية والأمنية، وبصفته ناتج عن تفاهمات وإتفاقات معلنة وملزمة , وهى تستهزئ حتى بفكرة الحدود المفتوحة وحرية الحركة للمواطنين و البضائع ضمن منطق عنصري متعالي على المنطقة وأهلها، وتبدو مقتنعة تماما في المقابل بفكرة الفيلا في الغابة التي طالما تغنى بها رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق إيهود باراك ضمن دفاعه ومرافعته عن غياب الشريك القيادي الفلسطيني. وبالتالي إستحالة التوصل إلى إتفاق سلام نهائي مع الفلسطينيين، كما الشعوب العربية الأخرى الرافضة للاعتراف بالدولة العبرية، من حيث المبدأ حتى لو استعد قادتها لذلك مع التأكيد على رفض باراك دفع الثمن المطلوب من هؤلاء القادة لتمرير أو فرض الاتفاقات على شعوبهم كما كان الأمر في الحالتين المصرية والاردنيةَ. 

ومع ذلك فإن الحكومة الإسرائيلية، وفي سباق تغطيتها أو إنكارها لمسؤوليتها عن إستمرار الصراع وإفشال عملية التسوية والمساعي الأخيرة، التي قادها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وتعاطيها الإنتهازى مع الثورات العربية والتطورات المتسارعة في المنطقة بعد إندلاع الثورات، ونزوع أنظمة الاستبداد والفلول إلى صبغها بالدم , وإيجاد وتقوية ومساعدة تنظيم داعش على التمدد والإنتشار. ومن ثم الإتفاق النووي الإيرانى الذي كان بمثابة تفاهم على المنطقة بين واشنطن وطهران، سارعت اى حكومة نتن ياهو للاستفادة من تلك التطورات والادعاء أن القضية الفلسطينية لا تمثل جوهر الصراع أو سبب عدم الاستقرار، وإنها أي في خندق واحد مع ما تسميه الأنظمة العربية المعتدلة التي تخشى من الثورات وتداعياتها وتدعم الثورات المضادة لها، كما أنها تخشى كذلك من جنون وإجرام وتوسع تنظيم داعش، كما من تداعيات الإتفاق النووي الكارثية والهائلة على المنطقةَ.

من هنا تم تمت إزاحة القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال العربى الاسرائيلى، كما التطبيع العلني والعلاقات الدبلوماسية والإقتصادية ومساعي التوصل إلى إتفاق سلام وحل نهائي للصراع، بينما بقيت على الطاولة اللقاءات السرية لنقاش سياسي أمنى حول كيفية مواجهة الفراغ الناجم عن الانكفاء الأمريكي، كما التغول الإيراني الذي يتم بضوء أخضر أو برتقالي من الإدارة الأمريكية، ودائما ضمن الخطوط الحمر المرسومة من واشنطن، والمتضمنة حماية أمن إسرائيل نفسها حرية الملاحة وتدفق النفط عبر مضائق وبحار المنطقة والحفاظ على حدود سايكس بيكو ولو شكلا وعلى الورق فقط، 
هذا  التطبيع على علاته غير مبرر طبعا ويفترض أن يتمثل البديل له في تفاهمات وطنية وإقليمية عربية لحماية السلم الأهليِ. والعمل من أجل الإستقرار القطري والقومي العربي ومن ثم بلورة إستراتيجبة عربية إسلامية جامعة لمواجهة الإجرام والتوسع الإيراني. 

وعموما  لابد من التاكيد على ان آخر من يحق لهم إنتقاد التطبيع الخجول والخفي القائم حاليا هم حلفاء وأدوات طهران في الحشد الشعبي الإعلاميِ. فسياسيا وأخلاقيا لا يحق لمن تساوق تواطؤ تساكن مع الشيطان الأكبر , إنتقاد أو مهاجمة من يفعل ذلك مع الشيطان الأصغر وسرا وليس علانية كما تفعل طهران مع واشنطن في العراق سورية ولبنان وحتى في اليمن.

*كاتب فلسطيني

التعليقات (0)