قضايا وآراء

لماذا أُعلنت حالة الطوارئ في تركيا؟

إمره كيكيلّي
1300x600
1300x600
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، بعد خمسة أيام على فشل المحاولة الانقلابية في مساء 15 تموز/ يوليو من الشهر الجاري، من خلال الاعتماد على المادة 120 في الدستور، بهدف مكافحة جميع العناصر المتورطة في المحاولة الانقلابية التي شهدتها البلاد.

وتلجأ الحكومة عادة لفرض حالة الطوارئ في الحالات التي تواجه فيها الدولة تهديدا أو خطرا معينا؛ لا يمكن مواجهته أو التعامل معه في إطار القوانين "العادية"، الأمر الذي يدفع الدولة لتوسيع صلاحياتها ضمن الأطر القانونية والدستورية لمواجهة هذا التهديد والقضاء عليه.

وهنا يجب التركيز على نقطتين هامتين، النقطة الأولى هي أن الجمهورية التركية تواجه تهديدا غير عادي، لأن محاولة الانقلاب الفاشلة لم تأت عبر طغمة عسكرية داخل القوات المسلحة التركية وحسب، بل وقف خلف هذه المحاولة تنظيم غاية في السرية والغدر تغلغل في مؤسسات الدولة. النقطة الثانية هي أن حالة الطوارئ تم إعلانها من قبل المؤسسات الدستورية ووفق الأصول والقواعد المنصوصة عليها في الدستور التركي، كما أن تطبيقها يأتي في هذا الإطار. ولا يعني فرض حالة الطوارئ سيطرة الأحكام التعسفية أو الإخلال بالأصول الديمقراطية، فحالة الطوارئ سوف تأخذ مجراها من خلال المنظومة القانونية والقواعد الدستورية، في حين ستكون كافة أجهزة الدولة تحت الرقابة القانونية أثناء هذه الفترة.

كما يجب التركيز على نقطة أخرى في هذا الصدد، وهي أن قانون الطوارئ وأحكامه موجود في جميع دساتير الدول الديمقراطية، وفي العالم كثير من الدول تلجأ لهذا الإجراء دون تردد عند الضرورة، وآخر دولة لجأت لذلك هي فرنسا التي أعلنت الطوارئ نتيجة الإرهاب الذي تعاني منه، وحالة الطوارئ مستمرة منذ نحو عام ومطبقة في البلاد، وخلال الأسبوع الماضي تم تمديد قانون الطوارئ ستة أشهر بسبب الهجوم الإرهابي في مدينة نيس.

وبناء على ما هو موضحٌ أعلاه، فإنه تم إعلان قانون الطوارئ في تركيا بناء على المادة 120 في الدستور. وتنص المادة على أنه يتم الإعلان عن حالة الطوارئ "في حالات ظهور أعراض جدية حول أعمال عنف تستهدف القضاء على الحقوق الأساسية أو النظام الديمقراطي المؤسس على الدستور، أو في حالة تدهور خطير في النظام العام نتيجة أعمال عنف". وفي الخامس عشر من تموز/ يوليو أقدم تنظيم فتح الله غولن الإرهابي على القيام بمحاولة انقلابية فاشلة، تضمنت إخلالا بالنظام العام وتهديدا للنظام الديمقراطي وحملت خطر انتشار أعمال العنف في البلاد. وتأتي الخطوات الاحترازية والتدابير الضرورية التي قامت بها الدولة التركية؛ ردا على طبيعة البناء التنظيمي الذي ينتمي له عناصر تنظيم غولن الإرهابي.

وفيما يلي سأتطرق بشكل مختصر للخطوط العامة لتنظيم غولن الإرهابي وبنيته الظلامية، والذي جاء خطره متوازيا مع الهجمات العديدة التي نفذها تنظيم داعش الإرهابي في مختلف المدن التركية، وكذا مع الخطر الإرهابي لحزب العمال الكردستاني في جنوب شرق الأناضول، الأمر الذي جعل إعلان حالة الطوارئ في البلاد أمرا لا مفرّ منه. وفي هذا السياق جاء إعلان رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الوزراء في القصر الرئاسي، فرض حالة الطوارئ بعد استشارة مجلس الأمن القومي..

إن تأسيس منظمة فتح الله غولن يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عبر مؤسسها المقيم حاليا في الولايات المتحدة، الواعظ المتقاعد فتح الله غولن، من خلال تقديمه المساعدات المالية للناس العاديين المحتاجين، والسعي لاستهداف الشباب. وقد قام بتجميع الطلاب في المدارس المتوسطة والثانوية والجامعات حوله. ومع السنوات التالية، تم افتتاح المؤسسات التعليمية من قبل الأشخاص الموالين له، مما ساهم في ربط عدد أكبر من الناس به، ورغم أن لديه أهدافا سياسية، إلا أنه لم يكشف عنها للرأي العام. ومنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بدأ المتخرجون من المدارس التابعة له من الشباب، في تولي مناصب في مؤسسات الدولة، ومنذ منتصف التسعينيات، مع امتداد جذور المنظمة في تركيا، وجدت المنظمة طريقا لها خارج حدود تركيا، من خلال افتتاح مدارس تابعة للتنظيم في الدول الأخرى.

إن منظمة فتح الله غولن لها منظومة هيكلية، تشكلت بقوة في مختلف مؤسسات الدولة التركية، في القضاء والشرطة، والجيش، والوزارات، والحكومة، والولايات والبلديات، وجميع المؤسسات المشابهة لها في الدولة. وبخلاف الهيكل التنظيمي، فإن هذه المنظمة شكلت كيانا موازيا منظما، وعملت العناصر على تنظيم نفسها بشكل سري داخل مؤسسات الدولة، كما عمل أعضاء منظمة فتح الله غولن على ترقية الموظفين التابعين لها إلى المراتب العليا بكل الوسائل، سواء بالطرق القانونية أو غير الشرعية. على جانبٍ آخر مارس التنظيم حملات تشويه كبيرة بحق الأعضاء الذين لا ينتمون للمنظمة، مستخدمين وسائل الإعلام التي يديرونها ويملكونها، من أجل تشريع كل حملة أو فعل يقومون به.

إن المنظمة استغلت الإمكانيات المتاحة في مؤسسات الدولة، من أجل التجسس على هواتف ومكالمات أرفع المسؤولين في مؤسسات الدولة وغيرهم، وتسجيل هذه المكالمات، كما أنها استطاعت الحصول على أهم الوثائق التي تتعلق بالأمن القومي من المواقع الحساسة المتواجدة بها، وجمعها وتسريبها، مما عرض الأمن القومي للخطر.

وفي شباط/ فبراير من عام 2012، حاول منتسوبو المنظمة في سلكي القضاء والشرطة، اعتقال مدير المخابرات التركية هاكان فيدان بصفة متشبه به من قبل ادعاء اسطنبول، وتنفيذ انقلاب على السلطة الحاكمة آنذاك. وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام 2013، عمد أعضاء المنظمة في سلكي القضاء والشرطة، في الفترة ما بين 17 و25 من ذلك الشهر، إلى استهداف الوزراء في الحكومة المنتخبة ومحاولة قلبها.

وعقب هذه الحادثة، فتحت السلطة المنتخبة تحقيقا قضائيا حول التنظيم ونشاطاته. وهنا بدأت المنظمة التخطيط لمحاولة إنهاء السلطة الحاكمة، ومؤسسات الدولة. وفي ليلة الانقلاب الخامس عشر من تموز/ يوليو، أقدم معاون رئيس الأركان، التابع للتنظيم، على إشهار السلاح بوجه رئيس الأركان وتهديده به، وفي هذا إشارة واضحة إلى عدم احترام التنظيم ومنتسبيه لأي هيكلية في الدولة التركية أو تراتبية وطيفية.

وبعد أن بان الوجه الحقيقي وأطماع هذه المنظمة الظلامية، من خلال تغلغلها في مؤسسات الدولة لسنين طويلة، وكذا سعيها لمحاولة قلب الحكم والسيطرة عليها، قامت الجهات المسؤولة في الجمهورية التركية في منتصف 2015 بتصنيف جماعة فتح الله كتهديد رسمي للدولة.

وبعد ذلك التاريخ، ونتيجة لعمليات التحقيق والتدقيق داخل الدولة، تم التثبت من عناصر الجماعة في جميع مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش. في الوقع فإنه يمكن تقييم الانقلاب الفاشل في 15 تموز/ يوليو في إطار المواجهة هذه، حيث إن تحديد عناصر التنظيم في مؤسسات الدولة، ومن بينها الجيش، دفع التنظيم للقيام بعملية الانقلاب لإنقاذ نفسه. ومع فشل الانقلاب، فإن العناصر التي ثبت انتماؤها لهذه المنظمة تم إيقافها عن العمل. وبعد انتهاء المرحلة القضائية فإن من يثبت بالدليل القاطع ارتباطه مع المنظمة سيتم إبعادهم عن وظائفهم.

لقد عملت الحكومة على اتخاذ كافة إجراءاتها في مواجهة الانقلاب ومحاسبة المتورطين فيه من خلال الأطر القانونية والدستورية، وفي هذا السياق جاء إعلان حالة الطوارئ الذي عمل على قوننة هذه الخطوات ضمن الأطر الدستورية.
التعليقات (0)