مقالات مختارة

حزب العمال الكردستاني.. أساطير وحقائق

إبراهيم كالين
1300x600
1300x600
إن قراءة الأحداث الإرهابية التي عشناها في الفترة الأخيرة من وجهة نظر الإعلام الغربي، قد توهِم الكثير أن تركيا بدأت حربا واسعة النطاق ضد مواطنيها الأكراد. وكأنها لم تتوقف أبدا عن الاعتداء على حزب العمال الكردستاني الذي يطلب “السلام”...

تتصرّف تركيا في هذه اللحظة الراهنة بطريقة مشروعة مثل أي دولة ديموقراطية كفرنسا، وبريطانيا، أو أميركا في مواجهة الإرهاب. وهو ما لا يمكن تسميته بالحرب ضد المواطنين الأكراد. منحت تركيا الأكراد خلال السنوات العشر الأخيرة حقوقا سياسية وثقافية عديدة، وقامت بالعديد من الاستثمارات التي تقدّر بمليارات الدولارات في المناطق التي يقطنها الأكراد. وفي المقابل، قام حزب العمال الكردستاني بالإخلال باتفاقية وقف إطلاق النار، عن طريق رفض ترك السلاح وتنفيذ الكثير من العمليات الإرهابية.

نحن نرجو أن تتحمّل الصحف الغربية مسؤوليتها في مواجهة الإرهاب وأن تنتبه لأجندات حزب العمال الكردستاني، الذي يتم تقديمه على أنه حمامة سلام، بالرغم من أن حزب العمال الكردستاني موجود على لائحة الإرهاب لدى الاتحاد الأوروبي وأمريكا. إلا أن بعض الأوساط، ما زالت تسعى بشكل مستمر إلى تلميع صورة حزب العمال الكردستاني، وإظهار هذا الحزب المشابه “للتنظيم الماركسي اللينيني” على أنه رسول سلام في بعض المؤسسات الإذاعية مثل “البي بي سي”. وقد وجّه الأستاذ “خليل بيركتاي” اهتمامه إلى هذه النقطة في مقالته التي شكّك فيها بالخط التحريري لقناة “البي بي سي”، المساند لحزب العمال الكردستاني.

بين “تشومسكي” و”سلافيوجيجك”

وقام الأكاديمي والناشط الأمريكي “نعوم تشومسكي” باتهام تركيا مؤخّرا بأنها تقوم بشكل ممنهج بقتل الأكراد وبعض الشعوب الأخرى. “تشومسكي” هو مثل الفيلسوف “سلافويجيجك”، الذي فضّل إعطاء الأحكام المسبقة حول تركيا دون أن يبحث عن الحقيقة. اعترف “جيجك” في مقالته، التي كانت ردّا على مقالتين قامت بنشرهما “قناة الجزيرة”، بأنه تم توجيهه بشكل خاطئ فيما يتعلق بتركيا، ويجب توخّي الحذر عند النظر في التحليلات المتعلقة بتركيا وبالدول الأخرى، التي تكون غالبا متحيّزة ومغلوطة.

في الأسبوع الماضي، وجّه رئيس الجمهورية أردوغان دعوة إلى “تشومسكي” لزيارة تركيا، لكن تشومسكي رفض هذه الدعوة بغضب مصرّحا أنه إذا قرّر زيارة تركيا فهذا لن يكون عن طريق دعوة أردوغان، ولكن عن طريق دعوة المعارضين الأكراد المضطهدين على مدار السنين المنقضية.

يتضمّن ردّه أحكاما تدعو إلى التساؤل، عن أي أكراد مضطهدين، وأي دولة يتحدث؟ كيف يُعقل أن يكون رئيس الجمهورية أردوغان الذي بادر بإنهاء المناوشات التي استمرت لسنين، والذي ابتدأ “عملية السلام”، أن يكون سببا في "الاضطهاد" الذي استمر على مدار السنين؟

لقد حوّل “تشومسكي” معارضته لأردوغان إلى أمر شخصي بمشاركته في المسيرة الاحتجاجية التي تهتف “دعونا نهاجم أردوغان مهما كان السبب”. هذه المشاركة لا تنم عن نقص في المعلومات فقط، بل تعبّر أيضا عن حقده.

الأكراد ليسوا كلهم “بي كاكا”

إنه لمن الخطأ أن ننظر إلى الأكراد وحزب العمال الكردستاني على أنهم الشيء نفسه. وهذا ما يسعى حزب العمال الكردستاني إلى تشكيله. يوجد الكثير من الأكراد الذين يعارضون أيديولوجية الحزب الكردستاني ومنهجه الإرهابي. يستطيع الأكراد مثل باقي المواطنين في تركيا التمتع بأي خدمة عامة، وأي حق سياسي. بينما يقوم حزب العمال الكردستاني بقتل آلاف الأكراد الذين يعارضونه. أصبح حزب العمال الكردستاني ينفّذ هذه الإعدامات بصفة مستمرة. في الأشهر القليلة الماضية، قام فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا والمسمى حزب الاتحاد الديموقراطي بارتكاب جرائم في منطقة “تل أبيض”، التي وصفتها منظمة العفو الدولية "بجرائم حرب".

إن النظر إلى الأكراد على أنهم جميعا يؤيدون حزب العمال الكردستاني، هو مثل اعتبار جميع المسلمين على أنهم يمثلون تنظيم الدولة. فالحرب الموجّهة ضد “تنظيم الدولة” هي ليست حربا موجهة ضد المسلمين، كما أن الحرب الموجهة ضد حزب العمال الكردستاني هي ليست موجهة ضد الأكراد.

في العقد الماضي، قامت الحكومة التركية باتخاذ خطوات مهمة فيما يتعلق بتوفير الخدمات العامة في المناطق الكردية مثل؛ إنشاء المدارس، والمستشفيات، والمطارات، وتوفير فرص العمل. كما استطاع السياسيون الأكراد الدخول إلى البرلمان عن طريق انتخابات حرة وعادلة. كما تم إلغاء الحظر الذي كان مفروضا على استعمال اللغة الكردية في التلفزيون، والراديو، والصحف المطبوعة، والمحاكم، والسجون، وفي الدعايات الانتخابية. وأيضا، تم إنقاذ الملايين من الأكراد من الفقر، الذين استطاعوا الحصول على التدريب المهني والتعليم الجامعي. وخلال فترة حكم أردوغان، تم التخلي عن سياسة التهميش للأكراد التي كانت تؤدي إلى تقوية حزب العمال الكردستاني.

قام رئيس الجمهورية أردوغان، أثناء تولّيه منصب رئاسة الوزراء في سنوات 2005، 2009، 2011 باتخاذ سلسلة من مبادرات السلام التي تهدف إلى حل المشكلات الكردية لوضع حد للصراع المسلح. نجحت هذه المبادرة في فترة لم تتجاوز السنتين إلى حدود سنة 2013. وخلال هذه الفترة أيضا، قام “أوجلان” بتوجيه دعوة إلى حزب العمال الكردستاني بترك السلاح في ثلاث مرات. ولكن حزب العمال الكردستاني رفض ذلك، وقام بالعودة إلى سياسته القديمة المستمرة منذ سنة 1984 إلى الآن، والتي تتمثل في الإرهاب والكفاح المسلح.

تسلسل الأحداث

إليكم تسلسل زمني سريع عما حدث خلال العامين الماضيين منذ 2013 إلى حدود سنة 2015:

خلال “عيد النوروز” بتاريخ 21 آذار/ مارس 2013، قام “عبد الله أوجلان” بتوجيه دعوته الأولى لنزع السلاح إلى حزب العمال الكردستاني. وفي تاريخ 7 أيار/مايو 2013، أعلن “مراد كارا يلان” بأن حزب العمال الكردستاني سوف يسحب جميع مقاتليه المتواجدين في تركيا. وفي تاريخ 2 تموز/ يوليو 2013، قام مقاتلو حزب العمال الكردستاني بمهاجمة مخفر للشرطة في بلدة “ليجة” بمحافظة “ديار بكر”، وأسفر الهجوم عن مقتل شخص واحد. بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 2013، تم اختيار “جميل بايك” رئيسا لاتحاد مجتمعات كردستان (الكي سي كا). لمّح “جميل بايك” في تصريحاته إلى أن الهجمات الإرهابية سوف تبدأ من جديد. بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2013، أعلن رئيس الوزراء في تلك الفترة “رجب طيب أردوغان” عن تحوّل ديمقراطي شامل، يتم فيه الاستجابة لقسم كبير من المطالب المشروعة. كان رد حزب العمال الكردستاني على هذه الخطوة هو الإعلان عن تأسيس تنظيم جديد للشبان داخل المدن باسم "حركة الشباب الثوري الوطني".

خلال “عيد النوروز” بتاريخ 21 آذار/ مارس 2014، وجّه “أجلان” الدعوة من جديد إلى حزب العمال الكردستاني لنزع السلاح، وتمت قراءة رسالة “أوجلان” هذه أمام الشعب في “ديار بكر” باللغة التركية والكردية. بتاريخ 1 حزيران/ يونيو 2014، ذهب وفد من حزب الشعوب الديمقراطي للاجتماع مع “أوجلان”. في الهجمات التي نظمها حزب العمال الكردستاني على مدار شهر حزيران/ يونيو، سقط العديد من الجنود وأفراد الشرطة شهداء. بتاريخ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، “قام صلاح الدين دميرطاش” بالدعوة إلى تنظيم مظاهرات كبيرة في الشوارع. تسبّبت دعوة “دميرطاش” في مقتل أكثر من 50 شخصا، وأدت من جديد إلى الصراع داخل المجتمع. حمّلت أحزاب المعارضة الحكومة المسؤولية، بذريعة أنها تصرّفت بشكل غير صارم مع حزب العمال الكردستاني. بتاريخ 20 كانون الأول/ ديسمبر 2014، قال “جميل بايك” بأن “نزع السلاح يعني الموت” بالنسبة لحزب العمال الكردستاني. وفي تاريخ 28 شباط/ فبراير 2015، وجّه “أوجلان” الدعوة من جديد إلى حزب العمال الكردستاني، واتحاد مجتمعات كردستان لنزع السلاح. خلال شهري نيسان/ أبريل وأيار/ مايو من سنة 2015، قام حزب العمال الكردستاني بتنظيم الهجمات ضد القوى الأمنية في المدن الواقعة في الشرق وجنوب الشرق، كما قام بترهيب الشعب قبل انتخابات 7 حزيران/ يونيو، عن طريق قطع الطريق، وجمع الأموال بالقوة، وحرق السيارات. كما قاموا بالهجوم على السدود، وتهديد الذين لا يطيعون أوامرهم. بتاريخ 20 تموز/ يوليو 2015، وبعد التفجير الانتحاري الذي نفّذه تنظيم الدولة في “سوروج”، الذي أدى إلى مقتل 33 شخصا، زاد حزب العمال الكردستاني من حدّة هجماته، بل وأعلن الحرب. بعد كل هذه التطورات، قامت تركيا بالبدء بالعمليات العسكرية ضد إرهاب حزب العمال الكردستاني.

تخريب "عملية السلام"

تعمّد حزب العمال الكردستاني تخريب مرحلة السلام لأنه لم يتقبل فكرة ترك سلاحه. بتاريخ 12 حزيران/ يونيو 2015، عندما أعلن “صلاح الدين ديميرطاش” بأن حزب العمال الكردستاني قد يترك السلاح، وذلك تعقيبا على دعوة “أوجلان” الجديدة، على إثرها، صرّح اتحاد مجتمعات كردستان بتاريخ 13 حزيران/ يونيو 2015 بأن "إرادة ترك السلاح ترتبط بنا، ولا يمكن “لديمرطاش” أو “أوجلان” أن يقوما بتوجيه مثل هذه الدعوة لنا".

في الوقت الذي تظهر فيه كل هذه الحقائق، لا يوجد أي معنى لدعوة يوجّهها أي شخص إلى تركيا "لوقف إطلاق النار، ووقف العمليات العسكرية أو للعودة إلى المفاوضات. بل يجب توجيه الدعوة إلى حزب العمال الكردستاني لترك السلاح".

يستعمل حزب العمال الكردستاني الحرب في سوريا، والحرب ضد تنظيم الدولة كغطاء لكي يبدو لطيفا أمام الدول الغربية. مع الأسف، يوجد هناك من يصدق هذه الأكاذيب.

الغريب في الأمر، هو أن حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر أكثر التنظيمات دموية ووحشية في التاريخ، يتّهم رئيس الجمهورية أردوغان بأنه استبدادي وقمعي. ويوجد هناك من يعتبر أن عدو عدوه هو صديقه؛ فإذا كان التنظيم يهاجم أردوغان فيجب عليه دعمه وتبييض صورته. لا يختلف تأييد حزب العمال الكردستاني عن تأييد تنظيم الدولة أو القاعدة.

في الختام، تعمل الحكومة على تأسيس النظام العام، ومن جهة نظر أخرى تسعى إلى تلبية الاحتياجات والمطالب الشرعية للمواطنين الأكراد والمتضرّرين من إرهاب حزب العمال الكردستاني. أما البقية يبقى مرتبطا بترك حزب العمال الكردستاني للسلاح، دون وضع شروط والحد من أنشطته الإرهابية.


(عن صحيفة "صباح" التركية- ترجمة خاصة لـ"عربي21")
التعليقات (1)
كوردي حر
الخميس، 28-01-2016 06:19 م
تركيا كان خاطئا في اختيار المخاطب، حزب البي كي كي حزب ايدولوجي يستغل شعارات ايدولوجية، بسبب خلفيتهم ايدولوجية من الصعب التفاوض معهم، باختصار صاروا عبئا على الشعب الكوردي المسكين، مع الاسف لا يوجد حزب بديل يؤمن بالحداثة و يتبني مسالة القومية و عندها مشروع ويؤمن بالديموقراطية و الحوار. الاحزاب اليسارية لا يؤمنون بالحوار و لا يؤمنون بالتعددية في اي بقعة في العالم. ولكن الكاتب لم يذكر شيء مهم و هي ان غالبية الكورد في نوركيا انتخبوا احزاب غير حزب دميرطاش حتى ان ?? نائبا من الحزب العدالة هم من الكورد في حين ان نواب حزب دميرطاش غالبيتهم من غير قومية كوردية.