قضايا وآراء

كيف نفهم الاحتجاجات الأخيرة في تونس؟

هيثم سليماني
1300x600
1300x600
تشهد تونس، منذ أيام، موجة من الاحتجاجات انطلقت من محافظة القصرين على خلفية موت الشاب رضا اليحياوي احتجاجا على إسقاط اسمه من قائمة المعنيين بالتوظيف لدواعي اجتماعية، لتنتشر في مختلف المناطق وصولا للعاصمة. ورغم أن هذه الحراك الاجتماعي لا يعد مفاجئا باعتبار ما كشفت عنه نتائج سبر الآراء المختلفة عن ارتفاع نسب عدم الرضا على الأداء الحكومي الحالي، إلا أن سرعة انتشارها كان مربكا، وحمل معه رسائل شديدة اللهجة للنخبة السياسية في البلاد.

ورغم تسرع بعض الساسة في اعتبار هذا الحراك ثورة ثانية، يبدو الأخير أقرب لإعلان انطلاق مسار استكمال الثورة التي حققت منجزا سياسيا على الأرض عناصره دستور ونظام ديمقراطي، ليبقى منوطا بعهدتها ترجمة باقي مطالب الثورة المتعلقة بالجانب الاجتماعي.

"الاشتباك المواطني الاجتماعي" كان كلمة السر بالنسبة لشباب القصرين المعتصمين بمقر محافظة القصرين من خلال بيانهم الذي أصدروه ووضحوا فيه مطالبهم وتمسكهم بالطابع السلمي لتحركهم، وتبرئهم من أحداث الشغب، خاصة مع تحول الاحتجاجات في بعض المناطق لعمليات نهب وتخريب ممنهجة.

ورغم عدم إنكار أطراف حزبية مثل الجبهة الشعبية (أقصى اليسار) انخراطها في هذه الاحتجاجات، بل دعت لقيادتها في أحد بياناتها وهي المعروفة بطبعها الصدامي، إلا أن المشهد يبدو مثقلا بمضامين تتجاوز التوظيف السياسوي الضيق بالنظر لحالة الاستجابة السريعة وقابلية الاحتجاج التي ظهر بها الشارع التونسي، ويكون بذلك الاكتفاء باتهام طرف سياسي أو آخر بأنه يقف وراء الأحداث محض كسل فكري لا يريد أن يغوص في عمق الظاهرة عله يستخلص العبر منها.

أولى الرسائل التي حملها هذا الحراك الاجتماعي تتعلق بفقدان الثقة في الطيف السياسي الذي يتصدر المشهد ويقوده، خاصة مع شعور الشباب بأن أولوياتهم لم تعد أولويات هذا الأخير؛ حزب حاكم يشهد منذ توليه مقاليد إدارة البلاد حالة صراع داخلي انتهى بانقسامه وبتشويه صورة الأحزاب والسياسيين بصفة عامة لدى عموم الناس، و"نخبة" لازالت إلى الآن تخوض في سجال الهوية المغلوط رغم حسم الدستور لهذا الموضوع. بهذا الحراك يعلن الشباب نفاد صبرهم من الطبقة السياسية الحالية التي انتظرها كثيرا حتى تنكب على الملفات الحقيقية عوض الهوامش التي قد لا تندرج إلا في خانة الترف الفكري.

وحمل الحراك الاحتجاجي رسالة ثانية تتعلق بإعلان فشل كل الحكومات المتعاقبة في تحقيق تحول حقيقي في بنية الاقتصاد التونسي، فالتبريرات لا تزال نفسها إلى اليوم، وتوصيف العقبات لم يتغير، وهو ما يحيل على عجز في تحقيق ثورة اقتصادية وبناء منوال تنموي جديد يقطع مع السياسات الاقتصادية القديمة التي أوصلت البلاد لهذا الوضع الاجتماعي المأزوم اليوم.

في السياق ذاته، تثير الاحتجاجات الأخيرة جدلية التنمية والاستقرار، فبينما تطالب الحكومة اليوم بالاستقرار لتحقيق التنمية وبالتالي استفادة المناطق المهمشة من دوران عجلة الاقتصاد، يأتي هذا الحراك ليعلن أنه لا استقرار بدون اهتمام بهذه المناطق التي عانت منذ عقود، وأن الاستقرار فيها إن فرض أن يكون في علاقة سببية بالتنمية، فإنه سيكون نتيجة لا سببا، وهي أعقد الرسائل التي أُرسلت للنخبة في الأيام الماضية.

تجميع الرسائل الثّلاث يقودنا لجملة من الخلاصات أهمها ضرورة أن تتأهل النخبة السياسية الحالية وأن تلتقط اللحظة التاريخية المفصلية التي تمر بها البلاد لأن البديل سيكون بظهور نخبة بديلة تعيش واقع شعبها وتتعالى عن هوامش الترف الفكري الذي تجاوزته الأحداث، نخبة وطنية جامعة إيديولوجيتها تونس وبوصلتها النجاح في التصدي لحجم الرهانات المطروحة عليها.
التعليقات (0)