قضايا وآراء

الطيب البكوش.. وزير خارجية أم مكلف بإفساد علاقات تونس الخارجية

مختار الشيباني
1300x600
1300x600
يقول ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطاني سابق: "إن السياسي الجيد هو ذاك الذي يمتلك القدرة على التنبؤ، والقدرة كذلك على تفسير فشله في ذلك".

لم يكن المتابع للوضع السياسي في تونس محتاجا للمائة يوم الأولى من عمل حكومة الحبيب الصيد حتى يصعب عليه اكتشاف من وزراء حكومة القصبة لم يكن جديرا بنيل صفة الوزير في دولة خلنا أنها عاشت ثورة ستجعل الحصول على المناصب السامية فيها بالكفاءة والاختصاص لا بالمحاصصة الحزبية ولا بدرجة القرب من قصر قرطاج.

وظهر جليا منذ اليوم الأول لتولي حكومة الحبيب الصيد المشعل لحكم البلاد أن وزرائها يتسابقون لإثبات عدم جدارتهم بمناصبهم وللحصول على جائزة أسوأ وزير، حتى أطل علينا وزير الخارجية الطيب البكوش ليؤكد أن لا أحد قادر على منافسته في نيل هذه الجائزة وأن له قدرة فائقة على تدمير الدبلوماسية التونسية التي اجتهد الأولون في جعلها مثالا للحنكة والرصانة والاعتدال، لكن وزير الخارجية سعى منذ توليه هذا المنصب إلى جعلها وسيلة لتحقيق نزواته الأيديولوجية وتطبيق معتقداته السياسية كرجل حزب لا كرجل دولة.

وحتى لا يقال أن كاتب المقال يتحامل على رجل قضى في العمل السياسي وقتا طويلا لكنه فشل في أول اختبار، سنكون مجبرين على التذكير بالمواقف والتصريحات والقرارات التي اتخذها وزير خارجيتنا في أقل من مائة يوم من توليه منصبه.

كانت أول زلات الطيب البكوش في خصوص الملف السوري، فبعد أيام قليلة على تركيزه وزيرا للخارجية خرج ليؤكد أنه سيتم إعادة التمثيل الدبلوماسي مع دولة بشار الأسد بعد أربع سنوات من قطع العلاقات في موقف مبدئي اتخذ في عهد الرئيس السابق المنصف المرزوقي احتجاجا على جرائم هذا النظام وفقدانه للشرعية وانتصارا للثورة هناك، لكن الطيب البكوش أكد أنه حان الوقت لإعادة التمثيل الدبلوماسي هناك فكان رد رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي منافيا لما قاله وزير خارجيته ومكذبا أنه سيتم إعادة تلك العلاقات أو فتح سفارة تونسية في سوريا، فكانت الصفعة الأولى التي كشفت عدم الوضوح وعدم التنسيق بين الرئيس ووزير الخارجية.

وفي تعقيب أحد الصحفيات السوريات على كلام الطيب البكوش كان ردا طريفا حيث نصحته بفتح سفارة تونسية في مدينة الرقة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية عوض فتحها في دمشق مفسرة ذلك بوجود رعايا ومقاتلين تونسيين هناك أكثر عددا مما هو موجود في دمشق.

ولم تقف زلات الطيب البكوش عند ذلك الحد فتحدث عن ثاني الملفات المهمة على طاولته وهو الملف الليبي فقال كلاما أقرب للهزل منه إلى الجد متحدثا عن تمثيل دبلوماسي ثنائي لتونس في ليبيا عبر فتح قنصلية في طرابلس للتنسيق مع حكومة فجر ليبيا وأخرى في طبرق للتنسيق مع حكومة خليفة حفتر، في اعتراف ضمني على عدم قدرة دبلوماسيتنا الجديدة على اتخاذ قرار واضح وعلى عدم نجاحها في التعامل مع أي ملف، ومن هناك كان ثاني الردود الطريفة على كلام الطيب البكوش من قبل وزير الإعلام في حكومة طبرق عمر القويري الذي قال أن اعتراف تونس بحكومتين في ليبيا سيجعل حكومة طبرق مجبرة على الاعتراف بحكومتين في تونس، الأولى في القصبة والثانية في الشعانبي معقل الجماعات الإرهابية في تونس.

لم يغب الطيب البكوش كثيرا ليعود مرة أخرى بفضيحة لو وقعت في أي دولة تحترم نفسها لتمت اقالته فيها، عاد متحدثا عن تركيا وكأنه لا يعرف تاريخ الصداقة بين تونس وتركيا فحتى علمنا أقتبس من علمها، تحدث وزير خارجيتنا كأنه مواطن عادي لا كوجه تونس الخارجي ليعتمد على وثيقة مزورة نزلتها إحدى الصحف التونسية حول السفر إلى تركيا قائلا أنه غاضب على تركيا التي تضع خانة الجهاد في التأشيرة التي تمنحها للتونسيين الذين يزورونها لتسهل مرورهم للقتال في سوريا، ناسيا أو متناسيا أن التونسي لا يحتاج تأشيرة لدخول تركيا في خطوة تدل على حضوة التونسيين لدى تركيا وعلى قيمة العلاقات بين البلدين، ثم عاد لتبرير كلامه السخيف بالقول أن تركيا تقبلت غضبه ولم تعد تعتمد خانة الجهاد في هذه التأشيرة غير الموجودة أصلا أو الموجودة فقط في مخيلة السيد الوزير.

صحيح أن أخطاء وزير الخارجية كثيرة في مدى قصيرة لكن أن تصل لهذه الدرجة من الجهل بالأعراف الدبلوماسية ومن معرفة شيء لا يغيب حتى عن المواطن البسيط وهو أن السفر إلى تركيا لا يحتاج تأشيرة فذلك كارثة لا يمكن أن نتوقع صدورها عن وزير خارجية وزد على ذلك اعتماده على وثائق مزورة ليبني من خلالها أراء واستنتاجات تحمل في طياتها الكثير من الابتعاد عن الواقع وعدم الدراية بالمنصب الذي يتقلده.

هذا دون الحديث عن ملف الصحفيين التونسيين المختطفين في ليبيا سفيان الشورابي ونذير القطاري وما شابه من تقصير من طرف وزارة خارجيتنا وعدم قدرتها على إنقاذ صحفيين ترجح عديد المصادر انهما قتلا، بالإضافة إلى عدم قدرتها حتى على تأكيد خبر مقتلهما وزد على ذلك ما قالته والدة نذير القطاري عن رفض وزير الخارجية مقابلتها وارسالها لشخص أهانها وتأكيد والد سفيان الشورابي عن المعلومات الخطيرة التي تخص ملف ابنه والتي سلمها لوزارة الخارجية لكنها تجاهلتها، هناك لك أن تدرك حجم الكارثة والحالة التي وصلت لها وزارة الخارجية في عهد الطيب البكوش.

أخطاء عديدة وتصريحات مضحكة وفشل ذريع، تلك حصيلة الطيب البكوش في أقل من مائة يوم على رأس وزارة الخارجية وهو الذي طمعنا أن ينسينا الأداء الكارثي لوزراء خارجية ما بعد الثورة، ولا أحد من الساسة  تجرأ على الدعوة لإقالته ما يجعلنا مجبرين أن نتساءل: متى ستحفظ ماء وجهك سيدي الوزير وتقدم استقالتك!!
التعليقات (0)