كتاب عربي 21

في انتظار فلسطين

طارق أوشن
1300x600
1300x600
قبل أيام احتفلت فلسطين بالذكرى التاسعة والثلاثين ليوم الأرض. تتوالى أرقام السنوات، ويتوالى معها انتظار الفلسطينيين لاستعادة أرضهم المصادرة، ووطنهم المحتل. وفي وضع كالذي تعيشه الأمتان العربية والإسلامية، لا يتبقى لأصحاب البلاد غير الانتظار.. إلى ما لا نهاية.

"انتظار".. هو عنوان الفيلم الروائي الثاني للمخرج رشيد مشهراوي، وفيه حاول الاقتراب من الوضع الفلسطيني العام في علاقته مع قضية اللاجئين الفلسطينيين المشتتين، داخل مخيمات دول الجوار، في تداخل واضح بين الذاتي والموضوعي، وبين الخاص والعام.

يتخذ مشهراوي من حكايات ثلاث شخصيات رئيسية بشريطه ذريعة للبحث في عمق القضية الفلسطينية بتداعياتها المحلية والإقليمية والدولية. وليس من سبيل أفضل للتعمق في الموضوع من الحديث عن اللجوء بما يعنيه من حلم في العودة، المؤدي طبيعيا لزوال الدولة العبرية، ولمقترح التوطين الذي يسعى البعض إلى تكريسه واقعا، بما يعنيه من إقبار تام لحلم الدولة الفلسطينية المنشودة.

يبدأ الشريط باعتقال حراس الحدود الإسرائيليين لمخرج فلسطيني يدعى أحمد بمعبر إيريز، لمجرد احتفاظه بحجر من أرض فلسطين في حقيبته، في مشهد ساخر ومرير.

يصطدم أحمد الحالم بآفاق فنية رحبة، تمكنه من "تفجير" مكنوناته الإبداعية في إطار فعل فني فلسطيني "عادي"، بعيد عن إطار البروباغندا والدعاية، بالحكم الجاهز المتمثل في ضرورة إقرار سينما فلسطينية "مناضلة"  تدعم القضية ورموزها.

وفي الشريط انتقاد واضح لذلك التوجه الذي أفرز انغلاق السينما الفلسطينية الناشئة على نفسها، بتكرار مواضيع مستهلكة ومعادة، دون أي تجديد فني حقيقي، يجعل الهم الإبداعي أساسا له دون غيره من الاعتبارات الأخرى. فمخرجنا هنا يسعى لإنجاز فيلم هزلي كوميدي في وقت يطالبه فيه الآخرون بوثائقي يصور معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال.

لم يدر بخلد القائمين على الفيلم أن الهزل سيصير لازمة يومية لتطورات القضية على المستويين الداخلي والخارجي.

في فيلم "انتظار"، لقاء ثلاث نماذج من المجتمع الفلسطيني المعاصر بدءا بأحمد، المخرج الراغب في مغادرة الأراضي المحررة، مرورا بالمذيعة الشابة بيسان نصار العائدة إلى غزة، بعد اتفاقيات أوسلو، انتهاء بالمصور لوميير، الذي لم تطأ قدماه خارج فلسطين يوما.

وطوال رحلتهم، يلتقون بوجوه فلسطينية تلخص أحلام ومعاناة شعب كامل كتب عليه الشتات والاغتراب، في انتظار الآتي المجهول.

بعد سنوات من إنتاج الفيلم، لم تعد فلسطين هي فلسطين، ولا المخيمات هي المخيمات. لكن الاحتلال ظل الثابت الوحيد، يحبس أنفاس "المنتظرين" الدائمين لأي شيء قادم في الأفق. كان الفلسطينيون بانتظار حق العودة إلى  الوطن، وصاروا اليوم يمنون النفس بيوم عودة إلى مخيماتهم الأصلية بعد أن انخرطوا في رحلة لجوء في لجوء تكاد لا تنتهي.

كان الفلسطينيون بانتظار قيام الدولة، واليوم اكتفوا بانتظار صرف الرواتب بعد أن أصبحوا رهائن وظائف مستحدثة، ونمط استهلاكي مفروض. كان الفلسطينيون بانتظار المصالحة بين فرقاء القضية المختلفين على الشيء واللا شيء، فأصبحوا يخشون "عاصفة حزم" طالب محمود عباس أن يشمل قصفها كل الحركات الخارجة عن طوع السلط القائمة في جغرافيا الوطن العربي.

يُكلَّف المخرج أحمد من طرف أبو جميل بالبحث عن ممثلين مفترضين للفرقة القومية للمسرح الفلسطيني، في انتظار استكمال تشييد البناية التي ستستضيف إنتاجات الفرقة. هي بناية فرعونية من ألفي مقعد ومرآب يسع أكثر من خمسمائة سيارة، تطرح السؤال عريضا حول الأولويات المعتمدة لبناء الدولة المنتظرة في وقت تعاني فيها غالبية الشعب البطالة وضيق ذات اليد، وشظف العيش وانتظارات من نوع آخر لا يمكن لمسرح أن يستجيب لها.

وتلك حقيقة ركز عليها كاتب السيناريو في حوار أصم جمع أحمد بأبو جميل المتحمس للمشروع. فبينما استنكر  الأخير إمكانية قيام دولة بدون مسرح، كان استفهام الأول مركزا حول مدى قابلية قيام مسرح في غياب الدولة. ولعل هاتان النظرتان المتباعدان تلخصان الضياع والتخبط اللذان يعيشهما المجتمع و"الدولة" الناشئان قيصريا في "انتظار" توضح الرؤية وانجلاء الغمامة عن الأعين وعن المنطقة كوحدة كلية. 

وفي "انتظار" تحقق كل ذلك ينطلق الثلاثة في رحلة بحث موزعة بين مخيمات الضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، عن طاقات تمثيلية فلسطينية قادرة على حمل مشعل تأسيس أول  فرقة وطنية مسرحية ينتظر منها تشريف الشخصية الفلسطينية والتعريف بقضيتها القومية فنيا في تجاوز لكل الحدود والمكبلات السياسية للاحتلال وجنوده. هكذا يطلب المخرج من الأعداد الهائلة من المترشحين تصوير حالات انتظار دون أية توجيهات مساعدة على فهم مراميه، مما يحول الكاستينغ إلى تصوير واقعي لمعاناة المخيمات وتوثيق ليوميات اللاجئين وأحلامهم المغيبة في العودة إلى الوطن/الحلم  الأقرب فعليا إلى الوهم.

تجلس المذيعة الفلسطينية بيسان نصار أمام كاميرا التصوير التي ستستخدم لتسجيل اختبارات الممثلين وتبدأ الحديث : "عرض الرئيس الأمريكي أن.. ودعمت المجموعة الأوربية ذلك باقتناع.. قررت الأمم المتحدة أن تتبع ذلك بحماسة.. وافقت الجامعة العربية على الفور.. أبدى رئيس الوزراء الفلسطيني تحفظه ووضع رئيس الوزراء الإسرائيلي شروطا وطرح الرئيس الفلسطيني علامات استفهام..".

لم يعد الرئيس الأمريكي مهتما بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي فله سلم أولويات جديدة، أما المجموعة الأوربية فسحبت نفسها من الموضوع، ولا عاد أحد ينتظر موافقة الجامعة العربية كما فقد الرئيس الفلسطيني حقه في التحفظ، أما الأمم المتحدة فرمت بالكرة في يد توني بلير الذي عينته اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام بالشرق الأوسط مبعوثا دوليا فضاع في متاهات المنطقة جيئة وذهابا قبل أن يختفي من المشهد إلى حين. وحده رئيس وزراء إسرائيل، أيا كان اسمه، يملك حق المبادرة ومفاتيح تحريك المسار في الاتجاه الذي يراه مناسبا لطموحات حكومته التي تدثرت بالرداء اليميني وأبت أن تخلعه نتيجة انتخابات تعقد في وقتها أو تسبق أوانها.

لقد حاول سكان المخيمات استغلال تواجد كاميرا من "الأراضي المحررة" لإيصال أصواتهم وصورهم إلى أهاليهم هناك عبر تحايا وكلمات تهنئة وأخبار بجديد العائلات وغيرها في مشاهد مؤثرة تكشف مدى بساطة الانتظارات الشعبية التي تتحول في الوضع الفلسطيني إلى  انتظارات مستحيلة وغير ممكنة الحدوث من جهة، وأيضا درجات السخط والاحتقان التي يعيشها اللاجئون من جهة أخرى. وكم كان مؤثرا ومعبرا ذاك الكلام الذي وجهته إحدى اللاجئات من سوريا إلى  زوجها رجل الشرطة في أجهزة السلطة: "أتابع الأخبار كل يوم. وكلما سمعت بوجود وساطة عربية أطلب من الله الستر..".

أُقبرت المبادرة العربية سيدتي وغادرنا صاحبها إلى الدار الآخرة وفشلت كل الوساطات عربية كانت أو أجنبية وانقسم الوطن ومعه السلطة إلى شطرين ليرتهن مصير الشتات بتسوية غير قريبة للداخل المتصارع على الفتات.

كان الحلم وطنا من النهر إلى البحر، ولأجله استنفرت الخيل ورفعت البنادق وابتدعت أشكال نضال ومقاومة متجددة في وجه الحركة الصهيونية المحتلة لعشرات السنوات شكلت ملحمة معاصرة في الصمود أمام سياسة تجريف كاملة لم تفرق بين الأرض والإنسان والحيوان. انتهى الكفاح أو هكذا يراد لنا أن نعتقد باتفاقيات دولية وقعت بأوسلو معلنة "انتهاء" الصراع على وقع خرائط قسمت فلسطين التاريخية ومنحت شرعية الوجود لإسرائيل، فعاد من عاد وأسست سلطة فلسطينية وجدت أمامها تحدي فك طلاسيم الخرائط التي جعلت أرض فلسطين وكأنها شبكة كلمات متقاطعة بحروف الأبجدية ألفا وباءا وجيما تفصلها حواجز اسرائيلية عنوان المهانة وهدر الكرامة الإنسانية.

المفارقة الكبرى في الفيلم تجلت في  تحول البحث عن مشاهد للانتظار إلى انتظار فعلي لا علاقة له بالتمثيل. لقد اتخذ المخرج قراره بالتصوير في قاعات انتظار احتجاجا على تحويل المجموعة الأوربية جزءا من ميزانية بناء المسرح إلى  شراء معدات طبية وسيارات إسعاف بالنظر إلى الحاجيات الآنية للشعب الفلسطيني المحاصر. هكذا أصبح لزاما على المشرفين على ورش بناء المسرح انتظار إقرار ميزانية جديدة لاستئناف أعمال التشييد.

تعود المذيعة بيسان نصار للجلوس أمام الكاميرا لتسترسل في الحديث : "جدد الرئيس الامريكي ثقته في مشروع السلام. أبدى بتفاؤله الرئيس الحالي لمجلس المجموعة الأوربية. أعرب البابا عن أمله في سلام دائم. جدد رئيس الحكومة الاسرائيلية أن الحلول لم تفقد كلها. كما أعلن مسؤول فلسطيني رفيع المستوى بأن الأمل ما يزال مستمرا. صرح الرئيس الفلسطيني  ياسر عرفات أن الحالة ليست مقطوعة الأمل. وأخيرا، وباتفاق مشترك أجلت جميع القضايا العالقة إلى أمد غير محدد..".

إنه تلخيص مدقق للحالة الفلسطينية لما بعد توقيع اتفاقيات أوسلو حيث المفاوضات مستمرة منذ ربع قرن تقريبا دون تحقيق أي اختراق فعلي على الأرض. مات الرئيس ياسر عرفات أو قتل وجاء بعده أبو مازن، فازت حماس بانتخابات المجلس التشريعي وانتهى بها المطاف تدير قطاع غزة الذي عاش على إيقاع الحرب الاسرائيلية عدة جولات. اختفت كثير من الوجوه التي اعتلت مع أوسلو المنابر والشاشات. لكن الوضع الإقليمي الملتبس قد يمنحها، على ما يبدو مخططا له، فرصة "العودة" من جديد إلى  المشهد بعد أن طال "الانتظار".

في المشهد أيضا تلخيص للنتيجة النهائية لأبطال "انتظار". فبيسان لا تزال في انتظار أبيها الذي بحثت عنه في لبنان، وزوجة والدها في انتظار عودته من سوريا التي انتقل إليها منذ أشهر، أما المصور لوميير فسيضطر لانتظار عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم للقاء أنوار  التي ربطته بها علاقة عاطفية خلال أيام التصوير.

والأنكى أن الثلاثة تحولوا للاجئين "مؤقتين" بعد اندلاع عمليات عسكرية كبرى بالأراضي الفلسطينية وهم متواجدون بإحدى المخيمات. وبدل تحقيق حلم العودة إلى الوطن، الذي كان المحفز الأساسي لعدد كبير من المترشحين، سيضاف انتظارهم لتأسيس الفرقة الوطنية للمسرح الفلسطيني إلى  لائحة الانتظارات التي شغلت حيواتهم منذ الميلاد.

والمسرح الفلسطيني كما الدولة تحولت لحلم بعيد المنال حد الوهم. ففي حوار بين المخرج أحمد وأحد سكان المخيم حيث تابعوا أخبار الغارات الجوية على غزة نسمع الحديث التالي: 
أحمد : هل تحدثوا عن المسرح ؟

الشخص: 15 شهيدا.

أحمد: عن المسرح، عن المسرح؟

الشخص: عدد كبير من الجرحى..

بعد عشر سنوات من إنتاج الفيلم، صار أبناء الضفة الغربية يكتفون بمتابعة صور الحرب على غزة عبر التلفزيون، وإن تحركوا يشعلون شموع التضامن مع الغزيين وكأنهم أبناء دولة أخرى. كما صارت أخبار فلسطين مجرد تكملة لنشرات الأخبار أو نوعا من "رفع العتب" على هيئات التحرير. ومع كل هذه الكوميديا السوداء التي أصبحت تلف القضية وأطرافها يتواصل "انتظار" المجهول..

إلى ما لا نهاية.
التعليقات (0)