مقالات مختارة

كيف نخرج من «صندوق» داعش..!!

حسين الرواشدة
1300x600
1300x600
اسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نرد على داعش بمنطق داعش، أو أن نظل نفكر في «الصندوق» الذي وضعتنا فيه، نحن عندئذ لن نقع في محظور تسويقها فقط، وإنما سنخضع لشروطها ونغرق في تفاصيل الخلاف معها، ونعتبرها قضيتنا الأولى ، وهي بالتأكيد ليست كذلك.

داعش ليست أكثر من «بالون» تعمد البعض النفخ فيه حتى تحول إلى غول كبير، وجرى استثماره بشكل مدروس، فتصورنا أنه وحده من يقرر مستقبلنا، فيما أصبحت قضية التطرف موضوعاً أساسياً لنقاشاتنا الخاصة والعامة، لدرجة أن استحضار داعش والتهديد بها تجاوز الدول إلى الأفراد، وكأننا
فرغنا من كل مشكلاتنا ولم يبق  يزعجنا سوى هذا الوباء الجديد.

فكرة داعش ولدت في الأصل ميتة؛ لأنها اعتمدت الموت كخيار ، وبالتالي فهي تتناقض مع فكرة الحياة، ومن المتوقع أن تتلاشى تدريجياً أو تأكل نفسها بنفسها، والمقاتلون في التنظيم بعضهم خرج من السجون وبعضهم جذبته غرائز القسوة والرغبة في النكاية والانتقام، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الهدف الذي اجتمعوا عليه مجرد وهم، وأن السجون التي خرجوا منها - على اختلافها - كانت أفضل وأكبر من السجن الجديد، الذي ذهبوا إليه بأقدامهم أو أرغموا على الدخول فيه.

داعش مجرد اسم حركي لأفكار عدمية وجدت من بعض المجموعات التي وحدتها « محنة» الإحساس بالظلم عنواناً يتحركون من خلاله، وهي بالتالي دون أفق سياسي ودون مسوغات دينية، وحواضنها الاجتماعية طارئة ومؤقتة ولهذا لا مستقبل لها ، ونحن متى أردنا قادرون على طي صفحتها وإشهار وفاتها، لكن البعض للأسف ما زال يعتقد بأنها الترس الذي يمكن أن يستخدمه لتخويف الشعوب من خياراتها، وإقناعها بقيول المصير الذي يراد لها، ودفعها إلى الانتقام من نفسها بذريعة الانتصار على غزاتها، إنها مجرد لعبة لإدامة الصراع على السلطة وتقسيم الغنائم وتبادل الأدوار والوظائف.

الرد على داعش ضروري لكنه يحتاج إلى منطق آخر، لا بد أولاً أن يعتمد على رفض الانجرار إلى  ساحة الحرب باسم الدين، هذه الساحة التي قررتها داعش للعراك والنقاش، فالصراع مع  التنظيم وأفكاره هو صراع ضد التخلف والاستبداد والقتل والإرهاب، وهو بالتالي يخضع لمنطق الدولة وليس منطق الدين، ويجب أن نتعامل معه كقضية سياسية لا دينية، ولا بد ثانياً أن نتحرر من اعتماد داعش قضية محورية؛ لأنها في الحقيقة ليست كذلك، فهي تعبر عن طفرة وحالة استثنائبة والمنتسبون إليها ليسوا أكثر من ضحايا أو مرضى، وبالتالي فإن امتداد حواراتنا حولها وإجراءاتنا اتجاهها سيجعلها طرفاً ونداً، وسيمنحها مشروعية لم تحلم بها.

بدل أن تأخذ داعش  شبابنا إلى الماضي وجراحاته، يفترض أن نذهب معهم إلى المستقبل وتحدياته، وبدل أن نرد على الأسئلة التي ألزمتنا بها أو وجدنا أنفسنا مضطرين للرد عليها، يفترض أن نصمم لأبنائنا أسئلة وإجابات تتناسب مع وعيهم وطموحاتهم، ومع قضايا عصرهم ومستجداته، ومع خرائط الإنسانية المفتوحة على الحياة لا على الموت، وعلى الحرية والعدالة لا على القهر والاستعباد.
خذ مثلاً ،الرد على رواية «الخلافة» التي أشهرتها داعش في وجوهنا، أليس من الواجب أن يتجاوز إشكالية الموقف الفقهي ولاحقاً الحركي، الذي يرى أن « الخلافة» هي الإطار السياسي المشروع والوحيد للدولة إلى رد سياسي معاصر، يتعلق بتقديم نموذج «الدولة» العادلة التي تستوعب أشواق ورغبات المواطن - لرؤية الصورة العملية للإسلام الحقيقي كدين، وللدولة المدنية المعاصرة كإطار ونظام حكم وإدارة.

خذ أيضاً، الرد على سؤال «الفراغ» الذي وجدته داعش وحاولت أن تملأه في سوريا والعراق، ألم يكن من الضروري أن نخرج من فوضى التعميم وأن نحدد مسارين واضحين للرد؛ واحد ديني فني وهو مسار افتقاد أهل السنة لمرجعية تمثلهم، وإطار يستوعبهم. ومسار آخر سياسي هو تغول السلطة التي حكمت باسم المذهب والطائفة، الذي أدى إلى انهيار الدولة في المناطق التي استولت عليها داعش وتمددت فيها، وما ولده من فراغ استغلته لبسط نفوذها، وبالتالي فإن الإجابة على السؤال عن هذا «الفراغ»، تحتاج إلى إجراءات حقيقية؛ سواء على صعيد «المرجعية» السنية الغائبة و المفقودة، أو على صعيد الدولة العربية التي انتهت صلاحيتها وتهدمت بنيتها، واختزلت في القبيلة والفرد والطائفة بحيث أصبحت بحاجة إلى إنتاج جديد، وفق رؤية تتناسب مع العصر ومستجداته.

خذ ثالثاً، الرد  على التربة  التي خرج منها  هؤلاء الذين تقمصوا صورة الإسلام ولبسوا عباءة الخلافة، وعبروا عن مكبوتات تراكمت في الذات العربية المسلمة، ولم تجد من يصرفها في قنوات صحيحة وحضارية، أليس من الأجدى أن نعترف بأن هؤلاء مهما اختلفت ( جغرافيا) خروجهم؛ سواء من دولنا التي استثمرت كل طاقاتها في إنتاج  الظلم و المظلومين، و التطرف و المتطرفين، أو من الدول الأخرى، التي تغذت على منطق (الخوف من الإسلام)، وأعملت سكاكينها في جسد عالمنا الإسلامي ذبحاً وسرقة  وعدواناً، هؤلاء خرجوا من دائرة واحدة وهي الانتقام من  التاريخ والحاضر، والاصرار على تدمير الذات والآخر، ولا شيء بيدهم سوى ( القتل)،  فهو أسهل طريقة ( للتغيير) وأسرع وسيلة للرد.
بمثل هذه الردود العملية التي تنتصر لمنطق العقل والعصر والمستقبل، يمكن أن نواجه داعش وغيرها من دعاة أفكار التطرف وعصابات القتل، وأن نرد على مزاعمها وممارساتها بدل أن تجرنا إلى الخندق الذي حفرته لنا، وتلزمنا بالجلوس على الطاولة التي صممتها بنفسها، للحوار معها حول الموضوع الذي قررته  ووفق شروطها أيضاً.



(صحيفة الدستور الأردنية)
التعليقات (0)