كتاب عربي 21

الملح، لو سمحت يا أوباما!

طه أوزهان
1300x600
1300x600
عادت الصورة التي نشرت أثناء حملة الرئيس أوباما الانتخابية عام 2008 إلى الضوء تارة أخرى، وهي صورة لأوباما أيام كان مقيماً في شيكاغو بينما يتناول وجبة بمشاركة كل من إدوارد سعيد ورشيد الخالدي وعلي أبو نعمة، يرجح أنها أخذت في وقت ما في منتصف تسعينيات القرن الماضي.
 
إلا أن الصورة تروج هذه الأيام من قبل من يرغبون في التنديد بالفظائع التي ترتكبها إسرائيل والتنديد كذلك بأوباما لالتزامه الصمت إزاء ذلك. يمكن للمرء أن يستنتج الكثير من حقيقة أن أوباما، أو صورة من صوره، يمكن أن تخدم معسكرين مختلفين، مصالح كل واحد منهما تتناقض وجودياً مع مصالح الآخر. كما أن قصص الأشخاص الذين يظهرون معه في الصورة وهم يشاركونه وجبة طعام تحكي قصة تجارب ومعاناة أمريكا بسبب مشكلة إسرائيل.
 
حضرت ذات مرة محاضرة لإدوارد سعيد في البيت الإيطالي في نيويورك. كان ذلك في مارس 2003، قبل ستة شهور من وفاته وقبيل الغزو الأمريكي للعراق مباشرة. كان قد مضى عام واحد على احتلال أفغانستان، وكانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لغزو العراق، وكانت أروقة الأمم المتحدة مسرحاً تمثل على خشبته المشاهد الأخيرة للإفك والخداع.
 
وكان الحدث الذي بسببه نظمت المحاضرة رغم الظروف الصعبة هو مناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق”. كان من الممكن تصور إدوارد سعيد يردد الهتافات يوماً ما في ميدان نيويورك، ورؤيته في هذا المناخ الأكاديمي ينسجم مع كل ذرة من الصورة التي رسمت له كـ “ملح الأرض”. ماتزال راسخة في أذهاننا تلك الصورة لإدوارد سعيد وهو يتحدى الجنود الإسرائيليين، رغم تجاوزه الستين من عمره، في برنامجه الوثائقي حول فلسطين، ناهيك عن صورته الرائعة وهو يرمي الجنود الإسرائيليين بالحجارة في جنوب لبنان.
 
باختصار، لقد كان إدوارد سعيد فريداً من نوعه. خلال الأحد عشر عاماً الأخيرة من حياته لفت إدوارد سعيد النظر إلى “دين عصري” اسمه “الصهيونية الأمريكية”، والذي كتب يقول عنه إنه أصبح ممكناً في الحيز الذي أوجدته أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كان ذلك الشيء قد تجاوز اللوبي الصهيوني الذي كان يعمل بدرجة عالية من الكفاءة على مدى سنوات طويلة في أمريكا. لم يعش إدوارد سعيد، الذي حذرنا من هذا الدين، طويلاً ليرى كيف اشتغلت “الصهيونية الأمريكية” في سنوات حكم جورج بوش.
 
الشخص الثاني في الصورة هو رشيد الخالدي، وهو عالم عرف بمؤلفاته الهامة في تاريخ الشرق الأوسط. كان ينتمي إلى الدائرة الداخلية لأوباما، لدرجة أن أوباما أثناء حملته عام 2008 قال عن رشيد الخالدي إنه “كان واحداً من الناس الذين ذكروني باستمرار بنقاطي العمياء وبتحيزاتي …. ولهذا السبب فإني آمل بأن يستمر هذا الحوار لسنوات عديدة قادمة - حوار ضروري ليس فقط حول مائدة منى ورشيد وإنما حول هذا العالم بأسره”.  هذا الإطراء من أوباما على رشيد الخالدي عرض أوباما لهجمات إرهابية من قبل أنصار اللوبي الصهيوني في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأمريكية.
 
آخر شخص في الصورة هو علي أبو نعمة، وهو من عائلة فلسطينية نزحت عن فلسطين بسبب الاحتلال الإسرائيلي. كان علي شخصية يسعى وراءها الإعلام الأمريكي، وخاصة في مطلع العقد الأول من الألفية الحالية حينما شن شارون عدوانه على فلسطين. طبعاً، لم يستمر ذلك طويلاً، إذ كان علي أبو نعمة واحداً من أولئك الذين اضطروا لدفع ثمن الصهيونية الأمريكية التي استقر بها المقام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
 
التمييز الإيجابي
 
الصورة التي نحن بصدد الحديث عنها هي أبعد ما يمكن أن يتصوره الإنسان لرئيس أمريكي، بمعنى آخر، إن من الصعوبة بمكان شرح كيف لرئيس تناول الطعام على مائدة يجلس حولها مثل هؤلاء الناس أن تصدر عنه مثل هذه السياسات، كما أن من الصعوبة بمكان تفسير كيف يجلس رئيس أمريكي لتناول الطعام على مائدة تجمع هؤلاء الرجال الثلاثة. وتلك هي النقطة التي تدخل من خلالها شبكة الصهيونية الأمريكية المتنفذة في أوساط دوائر واشنطن المالية والسياسية المغلقة إلى الصورة.
 
على كل حال، أبرز شخصيات تلك الصورة هو أوباما ذاته، والذي يمثل مزيجاً معقداً من التاريخ والحكم والاندماج الاجتماعي في أمريكا. ومع ذلك، لا تعني حقيقة أن هذه الشخصية المميزة تعبر عن مثل هذا المزيج المعقد بالضرورة أن العلاقة بين هذه الشخصية البارزة وما أدى إلى بروزها علاقة قوية أو حقيقية. فكما ثبت بشكل مؤلم وواضح خلال الشهور الستة الماضية، لم يكن أوباما سوى لحظة ملونة من “التمييز الإيجابي” في زمن احتاجت فيه أمريكا إلى بصيص أمل تتمسك به بعد أن بلغت صدمة الحادي عشر من سبتمبر أوجها داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
 
وصل أوباما إلى الحكم أثناء مجزرة غزة، ففي السابع والعشرين من ديسمبر 2008، وفي وسط محادثات سلام مع سوريا بوساطة تركية، بدأت إسرائيل فجأة بقصف غزة. كانت تعلم إسرائيل جيداً أن باستطاعتها استغلال انشغال أمريكا بالانتقال من إدارة رئيس إلى إدارة رئيس آخر حتى العشرين من يناير 2009، يوم تنصيب الرئيس الجديد. كان الإسرائيليون على حق، فقد ظل أوباما متفرجاً على القصف، زاعماً بأنه لم يستلم الحكم بعد، وذلك رغم أن عدم استلامه للحكم بعد لم يحل بينه وبين أن يندد بتفجيرات بومباي في نفس ذلك الشهر. أوقفت إسرائيل حملة المجازر التي ارتكبتها بالضبط قبل يومين من تنصيب أوباما رئيساً، أي في الثامن عشر من يناير. فيما يتعلق بالسياسية الخارجية، لم تختلف فعالية أوباما في عامه السادس كرئيس عن فعاليته خلال الأيام السبعة والسبعين حينما كان الرئيس المنتخب في الفترة من 8 نوفمبر 2008 وحتى 20 يناير 2009.
 
إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت الصهيونية الأمريكية مجرد سلاح قذر تستخدمه أمريكا من حين لآخر. أما بعد 2001 فسادت شكوك حول من يملك اليد الطولى في هذه العلاقة. فأمريكا، التي ماتزال امبراطورية رغم كل مشاكلها، سيكون صعباً عليها التعايش مع هذه العلاقة في المستقبل، تماماً كما كان حالها مع المحافظين الجدد. لو أن أوباما ترك الكلمة الأخيرة في ذلك للخالدي الذي قال عنه إنه يذكره بتحيزاته، لقال له الآتي: 
 
“كانت لدي توقعات منخفضة، وتوقعاتي المنخفضة أكثر من مجرد تحققت. لقد كان أداؤه أسوأ بكثير مما كنت أتوقع، ولكنني لم أفترض أبداً أنه كان سيتمكن من كسر قالب السياسة الأمريكية، وفعلاً، لم يحصل ذلك، بل على العكس، فقد كانت هذه الإدارة فيما يتعلق ببعض القضايا الهامة في نفس سوء، بل وفي بعض الأوقات أسوأ، من إدارة بوش”.
 
ليس واضحاً ماذا كانت بالضبط توقعات الخالدي المنخفضة. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يراهن بثقة على أن الخالدي في الأغلب لم يتوقع من أوباما، الذي جلس وإياه برفقة كل من إدوارد سعيد وعلي أبو نعمة يتناولان الطعام على مائدة واحدة، أن ينضم إلى الذين احتشدوا على سفح تل سديروت يصفقون ويهللون مبتهجين وهم يتفرجون على المذبحة ترتكب ضد الفلسطينيين في غزة.
 
طه أوزهان:  رئيس مؤسسة سيتا في أنقرة. أكاديمي وكاتب وله أعمدة ثابتة في ذي ديلي ستار وديلي صباح. يشارك في برنامج حواري سياسي أسبوعي في قناة التلفزة الوطنية، وله مشاركات دورية في وسائل الإعلام الدولية. صدر له مؤخراً في عام 2014 كتاب عن المسألة الكردية بعنوان “التطبيع يؤلم”.
التعليقات (0)