مقالات مختارة

رسالة حب إلى غزة

أمين قمورية
1300x600
1300x600
كتب أمين قمورية: غزة، في عيون الإسرائيليين أنت الأبشع، لكنك في عيوننا أنت الأجمل وأنت الأبهى. أنت افقر المدن واكثرها بؤسا وشراسة، لكنك كما يقول محمود درويش أنت اشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو، لأنك كابوسه ـ برتقالك ملغوم، وأطفالك بلا طفولة، شيوخك بلا شيخوخة، نساؤك بلا رغبات. لم يبخل كل هؤلاء بالتضحيات فجعلوا تاريخك المجبول بالدم والشهادة يعادل تاريخ أمة . لذلك أنت الأجدر بنيل حبنا واحترامنا.

بمعيار عدد القتلى والدمار لدى كل طرف، حققت اسرائيل في حروبها المستمرة عليك نجاحا باهرا... عدا ذلك، وبكل المعايير الاخرى، لم تسجل سوى الفشل، لذا لا نعجب لماذا يتمنى قادتها لو يبتلعك البحر. يظنون انك ضعيفة ويمكن استباحتك، لكنهم كلما حاولوا تأديبك فوجئوا بانهم ايضا دولة هشة غير قادرة على حماية مستوطنيها فلا مناطق آمنة من صواريخك البدائية المرعبة ولا قبة حديد قادرة على ردعها ولا ادارة سياسية قادرة على الخروج من المأزق. مرة اخرى سيرتد المهاجم خائبا. وستتعزز مجدداً روح المقاومة التي لا همّ للاسرائيليين وانصارها العرب الذين يزدادون عددا، سوى دفنها. ومرة اخرى سيكشف زيف الانظمة العربية قديمها والجديد، وزيف المعارضات التي بأفعالها والسلوك جعلتنا ندعو في سرنا الى الحفاظ على القديم.

ليست الصواريخ التي تفزع اسرائيل واصدقاءها، بل تلك العزيمة وذلك الصبر اللذان يظهرهما اطفال غزة وشيبها وشبابها ونساؤها. أولئك الذين يتحملون الوجع والالم ويرفضون القهر والمذلة. هؤلاء ليسوا محاصرين، بل هم وحدهم الاحرار يدافعون عن ارضهم وكرامتهم ويقاتلون حيث يتوجب القتال. قوة غزة ليست بـ"حماسها" ولا بـ"جهادها" بل بأهلها الذين يمارسون ارادتهم ملء قرارهم، يتنشقون هواء نظيفا بين روائح الموت والبارود. اما نحن، فمحاصرون باليأس والاحباط و"المصالح القطرية"، وتعبق صدورنا بعفن "الواقعية" و"الاعتدال" و"الموضوعية"، ولا نفعل شيئا سوى التمني والانتظار.

غزة لا تفضح اسرائيل فحسب، بل تفضح كل من حولها وادعياء نصرتها. هي اضعفنا، لكنها حامينا الوحيد، وحارسنا الاخير. يعطوننا هم الامل فنعطيهم اليأس. يمدوننا بالقوة، فنمدهم بالضعف والتخاذل. يشجعوننا بصمودهم، فنحبطهم بمسلسل الفتن والتخبط والفوضى والتشرذم الذي لا يتوقف. يفتحون لنا قلوبهم، فنقفل كل الابواب في وجوههم، ووحدها اجسادهم الطرية لا تزال تقاتل وتدافع عنا جميعا، ومع ذلك لم يتراجعوا ولم يُهزموا وهم يبقون وحدهم وينتصرون.

لا تيأسوا ولا تعيروا انتباها لتخاذلنا، ولا تتركوا امراضنا وعجزنا تثبط عزائمكم وتكسر ارادتكم. وثقوا فحسب بفتياتكم وفتيانكم الذين يدهشوننا ويدهشون العالم كل يوم. فبانتصاركم لن تحرروا ارضكم فحسب، بل تجعلوننا نتحسس العفن الذي ينخر عظامنا.

(النهار اللبنانية)
التعليقات (0)