كتاب عربي 21

فوران ما قبل البركان

عماد غانم
1300x600
1300x600
لأي بركان فوران يسبق انفجاره، ينفث البركان عن ذلك الفوران ببعض الحمم التي يلقيها من بعض شقوقه التي يصنعها ضغطه واضطرامه.

فتخرج هذه الحمم لتنبئ بعض الشئ عن حجم ذلك الغليان الكامن، ويبقى أكثر غليان البركان خافيا لا يرى، لكن ذلك المخفي فيه ينبئ عنه هذا الظاهر منه .

وهكذا حتى تأتي اللحظة التي لا يحتمل البركان فيها أن يظل أكثره مخفيا، ولا تحتمل القشرة الضاغطة عليه فورانه من تحتها وضغطه المقابل عليها، فتكون النهاية والغلبة لهذا البركان الطاغي، يكون انفجاره الذي يقلب الأسفل عاليا والعالي أسفلا، ويقلب الليل نهارا والنهار ليلا .

هذه الصورة بالضبط هي التي نراها في واقعنا العربي المعيش. فثوراته المتلاحقة في ربيعه الثائر هي تلك الشقوق التي ألقى منها البركان بعضا من حممه للتنفيث عن غضبه الكامن. غضب شعبي فائر من ديكتاتوريات أنظمة فاسدة وطاغية إلى أبعد مدى، إلى حد أن تصبح تلك الأنظمة العربية هي مضرب الأمثال في العالم للديكتاتوريات واضطهاد الشعوب .

هذا البركان الشعبي العربي _الفائر من تحت أنظمة ديكتاتورية قابعة_ بركان هائل، لم يكن ذلك التنفيث بهذه الثورات القليلة ليوقف فورانه وثورانه، ولذلك فإن القادم يقينا سيكون انفجارا بركانيا لا يبقي ولا يذر .

خصوصا إذا ما وضعنا في اعتبارنا أن الديكتاتوريات القائمة أبت إلا أن تسد على هذا البركان الفائر منافذ تنفيثه. فقد اجتمعت هذه الأنظمة برؤوسها الطاغوتيه وبفاسديها الذين يدورون في فلكها، مع المتآمر العالمي والصهيوني من أجل سد هذه المنافذ الثورية مرة أخرى، وإعادة حمم التنفيث إلى باطن البركان المشتعل، لتعود هذه الحمم أشد غضبا واضطرابا، فتحفز البركان المتحفز أصلا لتلك اللحظة المرتقبة، لحظة الانفجار العظيم .

الانفجار العظيم الذي سيشبه الانفجار العظيم الذي كان في بداية الخلق والحياة . لأنه إذا كان ذلك الانفجار العظيم الأول قد خلق الله به الكون ونظمه ورتبه، فإن انفجارنا العظيم المرتقب سيخلق الله به أمتنا العربية الإسلامية من جديد، وسيعيد الله به ترتيب العالم أجمع، وترتيب أوراقه ومحاوره وقضاياه .
هذا هو المرتقب، وهذا هو الذي تلوح بوادره في الآفاق .

الدكتور يزيد الصايغ _ أحد الباحثين المرموقين _ قد تنبأ بأنه إذا ما تسلم الإخوان السلطة في مصر فإنه ستسقط دولتهم في خلال العام الأول . وجزم بأن لا تصبر دولة العسكر عليهم أكثر من عام واحد، خصوصا أن دولة العسكر هذه هي العميل الرسمي للهيمنة الصهيونية والغربية في البلاد .

 وبالتالي فإن النظام الإخواني الحاكم حتى وإن جاء بإرادة شعبية حرة ونزيهة، لن يستطيع أن يقف في وجه هذا المخطط العالمي، الذي سيستخدم داخليا ذراعه الأكبر المتمثل في (دولة الضباط) كما وصفها الدكتور الصايغ في كتابه .

كان كتاب الدكتور الصايغ هذا ونبوءته هذه قبل أن ينجح الإخوان أصلا في الانتخابات التي كانت على الأبواب ساعتها .

وبالفعل فقد تحققت النبوءة كما أخبر بها بالضبط .

ثم لما أن طلبت شهادته في حوار تليفزيوني حول ما تنبأ به وما حدث، أكمل الرجل نبوءته، وكان الشطر الثاني من هذه النبوءة، هو أن ذلك الانقلاب العسكري المصري لن يدوم، وسيكسر في النهاية، وتعود الثورة المصرية منتصرة وظافره .

لكن الشاهد...

هو أنه لم يكتف في نبوءته بسقوط الانقلاب المصري فقط، ولكنه قال (سيسقط الانقلاب المصري وستسقط معه عروش وممالك) . 

نبوءة الدكتور الصايغ ليست من قبيل النبوءات الروحانية التي تأتي من محاولات الاتصال بالملأ الأعلى لتشف الأرواح وتأخذ بعضا من العلم اللدني، فتنبئ به بعد ذلك .

ولكنها نبوءة الباحث السياسي والاستراتيجي المرموق، فلا تخرج نبوءته عن أصول البحث العلمي والسياسي، الذي يفسر المعطيات ويشبك بينها ليعطي إضاءات للمآلات والمصائر المنتظرة .

وبالفعل، كلام الدكتور الصايغ هنا كلام في غاية الدقة العلمية .

فالانقلاب المصري في حقيقته ليس انقلابا مصريا فقط، ولكنه انقلاب عربي ببعد عالمي .

كل الأنظمة العربية تقريبا قد تآمرت من أجل إتمام هذا الانقلاب، لأنها رأت في نجاحه نجاحا لأنظمتهم وإبقاء لها، وفي فشله بادرة لزوال تلك الأنظمة بثورات عربية مماثلة، وخصوصا مع وضعهم في الاعتبار أن حجم الغضب الشعبي على أنظمتهم الباغية ليست أقل بأي حال من الأحوال من حجم الغضب الذي كان موجودا في مصر وفي غيرها من بلاد الربيع العربي .

وبالتالي فقد تآمرت الأنظمة العربية جمعاء، ولا يستثنى في ذلك إلا بلد أوبلدان، تآمرت جميعها على إفشال الربيع العربي كله بثوراته الحالمة، ومدت هذه الأنظمة يدها بالعبث والتآمر في كل بلاد ذلك الربيع . فاستطاعت أن توقف الثورة التونسية بإبعاد الإسلامين الذين اختارهم الناس . واستطاعت أن تتآمر على الثورة اليمنية لتبقي البلاد في نهاية المطاف تحت حكم النظام نفسه بأشخاص آخرين . واستطاعت أن تحول الحالة السورية إلى حرب أهليه ممتدة غير محسومة، لأن حسمها على أي من الحالين في غير صالحها . واستطاعت أن تتآمر على الحالة المصرية لتدعم انقلابا عسكريا غادرا. وها هي تتآمر على الحالة الليبية بدعم انقلاب عسكري آخر .

إذن، الثورة التي نحن بصددها ليست ثورة مصرية ولا ثورة خاصة بالبلاد العربية التي قامت فيها هذه الثورات .

ولكنها في الحقيقة (ثورة عربية كبرى)، ظهرت بوادرها في بعض البلدان، وبقيت بقية البلدان تنتظر النتائج لتقرر قرارها .

وقد علمت الأنظمة العربية  ذلك، فقامت تتآمر وتخطط لإفشال هذه الثورة العربية الكبرى في مهدها ‘ ويساعدها في ذلك التآمر العالمي الكبير الذي يرى في نهضة العالم العربي نهضة لعدو تاريخي يسحب البساط حتما من تحت أقطاب العالم الحديث، ليعود به إلى سادته الذين قبعوا عليه ما يقارب الألف عام .

الثورة ثورة عربية كبرى، والانقلاب عليها انقلاب عالمي كبير، والمنتظر انفجار بركاني عربي هائل لا يبقي ولا يذر، يعيد ترتيب الصورة بتفصيلاتها الكاملة، وإنا لمنتظرون .
التعليقات (0)