مقالات مختارة

نقاط مهمة في مذكرات روبرت

عطاء الله مهاجراني
1300x600
1300x600
كتب عطاء الله مهاجراني: بعد حصولي على كتاب روبرت غيتس الجديد «الواجب، مذكرات وزير الدفاع»، صعقت من الفقرة الأولى في مقدمة الكتاب.

يقول غيتس: «يتناول هذا الكتاب أربع سنوات ونصف السنة قضيتها في الحرب. وقد يدور بالأساس حول الحروب في العراق وأفغانستان، حيث تبددت الانتصارات الأولية في البلدين نتيجة أخطاء وقصر نظر والصراع في ساحة القتال والصراعات السياسية في واشنطن، وهو ما كان سببا في حملات طويلة ووحشية لتجنب التعرض لهزيمة استراتيجية».

قد يمثل هذا فقرة استراتيجية بالغة الأهمية، ويرجع ذلك إلى سببين، الأول أنها مليئة بالمعاني، والثاني أنها تحمل الكثير من النقد الذاتي لواحد من أبرز الشخصيات العسكرية وصانعي السياسة في الولايات المتحدة.

هنا في الشرق، وربما تحديدا في الشرق الأوسط، نادرا ما يكتب وينشر سياسيونا مذكراتهم الشخصية، ونتيجة لذلك نستمر في تكرار أخطائنا. نحن نصارع الافتقار الواضح إلى الخبرة في تاريخنا. ولا نراكم خبراتنا في المجالات المختلفة لنلجأ إليها في ما يعن لنا من مشكلات في المستقبل.

وقد شرح غيتس خبراته وآراءه في أربع حروب مختلفة هي:

1 - الحرب ضد «القاعدة» وبن لادن.

2 - الحرب السياسية اليومية مع الكونغرس عندما كان غيتس في منصبه.

3 - حرب سياسية ثانية، هذه المرة مع موظفي البيت الأبيض، ومن حين لآخر مع رئيسين، هما جورج بوش وباراك أوباما.

4 - حرب بيروقراطية مع وزارة الدفاع والخدمات العسكرية.

والواقع أنه عندما كان جورج بوش يخطط لاحتلال العراق، قال إنه يعتقد أنه على الجانب الصحيح من التاريخ، وكان يعتقد أيضا أنه وضع استراتيجية ممتازة. وقال بوش لوزير دفاعه غيتس: «كثير من الناس يملكون أفقا لا يتعدى شبرا واحدا، لكن وظيفتي هي أن يكون لدي أفق يبلغ ميلا». وتساءل غيتس: «فماذا كانت استراتيجية بوش ذات الميل؟»، ونقل غيتس عن بوش قوله: «نحن في حاجة إلى أن نؤكد للجميع أننا ذاهبون (إلى العراق) لنبقى هناك»! (روبرت غيتس، الواجب، ص 64).

بعض الأسئلة الكبيرة التي تنشأ في هذه النقطة: ما قيمة مثل هذه الاستراتيجية؟ وما الخطأ في تمديد أميركا إقامتها في العراق؟ باختصار، يمكنني القول إن مذكرات روبرت غيتس وثيقة مهمة، تؤرخ للسبب في افتقار استراتيجية بوش إلى العمق والسبب في اضطراره إلى الانسحاب من العراق. ففي ردهات الفنادق الشهيرة، يمكنك العثور على عدد من الساعات، التي تظهر التوقيت في مدن ومناطق زمنية مختلفة. يمكننا أن نرى التوقيت في مدن مثل لندن وواشنطن وموسكو وباريس والرياض. وفي السياسة أيضا لدينا مختلف الساعات، ولكن الاختلافات هنا أكثر أهمية من الساعات في الفنادق. وأعتقد أن هذه الساعات المخفية وطريقتها المتناقضة في العمل هي السبب الرئيس وراء فشل استراتيجية أميركا.

النقطة الأولى التي يمكن أن نشير إليها هي أن أميركا لا تملك في الواقع استراتيجية ثابتة، لا في الشرق الأوسط ولا في العالم بشكل عام. ونتيجة لذلك، يمكننا أن نرى أنها تغير استراتيجيتها بين الحين والآخر، وأحيانا كل شهر. وفي حالات مثل مصر وسوريا يبدو واضحا أنها تغير استراتيجيتها كل أسبوع!

مع وضع هذا الواقع في الاعتبار، ينبغي على جميع البلدان، بما فيها فلسطين، أن تدرك أن أميركا ليس لديها القدرة على أو الرغبة في حل مشكلاتهم.

النقطة الثانية التي ينبغي اعتبارها هي أننا لا نشهد في أميركا صوت إجماع، وهذا هو بالضبط السبب في حديث غيتس عن أربع حروب مختلفة. ويبدو واضحا أن هناك منافسة جدية بين الجمهوريين والديمقراطيين. بالإضافة إلى ذلك، هناك منافسة ثانية تجري داخل أحزاب الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وعلى ما يبدو، فرغم الابتسامات والتقدير الذي يظهره بعضهم تجاه بعض، يعاني كلا الطرفين من انعدام الثقة في نفسيهما. وقد قال هاري ترومان في السابق: إذا كنت في حاجة إلى صديق حقيقي في واشنطن، يجب عليك شراء كلب.

المثير للدهشة أن غيتس استخدم هذه ونقلها عن ترومان في كتابه ليفسر سبب وحدته.

النقطة الثالثة التي ينبغي التفكير فيها هي أن الأميركيين صادقون جدا ومباشرون عندما يتعلق الأمر بانتقاد أنفسهم. فيقول غيتس نحن نعاني في الشرق الأوسط من نقص في النقد الذاتي. يبدو الأمر كما لو أنه في بلداننا يستطيع أن يرتكب خطأ. ومن ثم فإنه ليس من السهل بالنسبة لي أن أذكركم بظاهرة مثل أحمدي نجاد، الذي يعتقد أنه يجب تعليم جميع زعماء العالم كيفية الحكم وإدارة بلدانهم! وقد زعم مرارا وتكرارا أن كل زعيم التقاه طلب منه أن يكشف له عن أسرار إدارته وحكمه.

في المقابل، فإن الأميركيين يعترفون بأخطائهم، ويحاولون إعادة التفكير في الأخطاء الاستراتيجية. فعلى سبيل المثال، قال زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ الأميركي، هاري ريد في مؤتمر صحافي، في منتصف أبريل (نيسان) 2007: «لقد خسرنا هذه الحرب» (الحرب ضد العراق)، وبالإضافة إلى ذلك روى روبرت غيتس في اجتماعه مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أنها أثناء وجبة الإفطار أصرت على أن «استراتيجية الرئيس فشلت في العراق» (الواجب، ص 78).

النقطة الرابعة هي أن الأميركيين يفكرون دائما في مصالحهم الوطنية. هذه هي القاعدة الذهبية لجميع الأميركيين، بما في ذلك الجمهوريون أو الديمقراطيون، النسور أو الحمائم. فعلى سبيل المثال، كان حسني مبارك صديقهم لثلاثين عاما، وكان شاه إيران حليفا فريدا من نوعه، أو بالأحرى شرطي الشرق الأوسط لأكثر من 37 عاما. ينبغي أن يدرك الجميع أن أميركا لديها صديق دائم واحد فقط في منطقتنا، وأن أميركا ستدعم هذا الصديق طوال الوقت، وأن حق النقض الأميركي في الأمم المتحدة خيار دائم مطروح على الطاولة، ويستخدم في الأغلب لصالح صديق واحد: إسرائيل.


(الشرق الأوسط)
التعليقات (0)