مقالات مختارة

تجاوز يأسنا الوطني

ديفيد إغناتيوس
1300x600
1300x600
بالنسبة لبلد متفائل كانت سنة 2013 سنة مليئة بالتشاؤم وربما أكثر ما يكون كذلك للرئيس التنفيذي للأمة. وغطى النصف الأعلى من غلاف قسم التوقعات في صحيفة «واشنطن بوست» ليوم 15 كانون الأول/ ديسمبر الاستعراض الكئيب: «الرئيس أوباما لقد عشت أسوأ سنة في واشنطن».


من يخالف ذلك؟ ولكن لا شك أن أوباما يواجه منافسة بالنسبة للوزارة ذات السنة الأسوأ، من الكونغرس المنقسم بصورة مسمومة الى الرؤساء التنفيذيين ذوي الاستثمارات الخجولة الى شعب ضعيف المعنويات بسبب حربي العراق وأفغانستان والتي سببت الاحجام عن استخدام القوة حتى للمعاقبة على الهجمات بالأسلحة الكيماوية في سوريا.


بالنسبة للكثير من الأميركيين كانت 2013 السنة التي بدت كصورة معكوسة للأمة الواثقة التي لا تُقهر والتي في المخيلة الشعبية تقدمت للنصر في الحرب العالمية الثانية. وبدا «الجيل الأعظم» كأثر ليس لقرن آخر فحسب بل لأمة أخرى. ولكن فلنكن صريحين في نهاية السنة: مثل هذا النوع من التشاؤم القاسي المتواصل مدمر، وما هو أهم من ذلك انه غير دقيق. نحن في الإعلام نفخر بنقل الأخبار السيئة، ولذلك من السهل على قرائنا التغاضي عن الواقع الملزم بأن أميركا في سلام بشكل عام وبالنسبة لبقية العالم فهي في رفاهية كبيرة. في جبننا الوطني رسمنا صورة الرئيس بألوان قاتمة أكثر مما هو مبرر والماضي بألوان أكثر بهاء.


أحد طرق وضع البلد في موقعه بصورة أكثر دقة هو النظر الى الماضي والانتصار في الحرب العالمية الثانية، عندما صُنعت أساطيرنا الحديثة وكشفت ما حدث بالفعل. قد يكون ذلك ثناء لعمل تاريخي فوق العادة أكمله هذه السنة زميلي ريك أتكينسون. ففي مؤلفه «ثلاثية التحرير» تراجعت الكثير من الأمور التي تظن أنك تعرفها عن الحرب في أوروبا، وتدرس أعظم درس في الدروس بالنسبة للوقت الحاضر، وهو الحاجة الى الصبر والمثابرة ضد العقبات.


كما يروي اتكينسون القصة مستعرضاً الخطابات والمذكرات والروايات الشخصية الحية، فقد كانت الحرب العالمية الثانية سلسلة من الأخطاء التي كثيراً ما كانت كارثية، والتي كفّرت عنها حقيقة مواصلة أميركا وحلفائها الحرب متسلقين أجساد الموتى بمعنى الكلمة. طوال الحرب كانت عمليات الانزال البرمائية دائماً خرقاء، ولم تصب عمليات الانزال بالمظلات أبداً الهدف تقريباً. كما قصفت طائرات الحلفاء مرة بعد مرة عن طريق الخطأ قواتها. وارتكب الجنرالات الأميركيون ابتداء من القائد الأعلى دوايت آيزنهاور الى الرتب الأدنى أخطاء فظيعة كلفت مقتل آلاف الأرواح من دون داع.


مع ذلك ثابرت الأمة بواسطة الزخم المحض وقوة العزيمة. كان الجمهور محجوباً في تلك الأيام عن أخبار المصائب المثبطة للهمم، بفضل الرقابة العسكرية وسلطة الجنرالات التقديرية الذين يرغبون بحماس في قول الحقيقة لكنهم يأملون ايضاً في رؤية بلدهم يسود. كتب اعظم مراسلي الحرب ايرني بايل عن الحرب بعد بحث المتعلقات الشخصية للقتلى في خط تحديد مستوى المياه العالي في شاطئ أوماها يوم الإنزال الكبير لقوات الحلفاء في نورماندي «طابور طويل رقيق من المعاناة الشخصية».


وصف اتكينسون الأخطاء المتكررة لحملة شمال أفريقيا في الجزء الأول الرائع من مؤلفه «جيش عند الفجر» والذي فاز بجائزة بوليتزر عام 2003. يسرد الكتاب سلسلة الأخطاء التي تمثلت في انتكاسات «ممر القصرين»: «ظهر الشجعان والأفاضل طوال حملة شمال أفريقيا، بالتأكيد وكذلك الجبناء والمرتشون والحمقى». كانت فترة اتسمت بالمكر والحسابات الخاطئة والتضحية والانغماس في الذات، أو الغموض والحب والحقد والقتل الجماعي.


تواصَل الطريق الوعر نحو النصر الى جزيرة صقلية وايطاليا كما يصف اتكينسون في الجزء الثاني من مؤلفه «يوم المعركة». ودفن الانتصار النهائي للحلفاء الاخفاقات الكابوسية لتلك الحملة، من عمليات الإنزال التي شابتها الأخطاء في ساليرنو وأنزيو الى إضاعة الأرواح الشابة في نهر رابيدو ومونتي كازينو.


حتى في عشية النصر الأكبر في الحرب يوم إنزال نورماندي حذر العميد نورمان دي كوتا، الذي أصبح ضابطاً كبيراً في شاطئ أوماها فيما بعد، حذر جنوده قائلاً «ستواجهون إرباكاً، فطائرات الإنزال لا تطير حسب الجدول وسيجري إنزال الجنود في المكان الخطأ، ولن يجري إنزال البعض اطلاقاً.. علينا أن نرتجل ونواصل ولا نفقد صوابنا». وتحقق كل ما تنبأ به من مصائب ومع ذلك نجح الهجوم كما روى أتكينسون في الجزء الأخير من مؤلفه «المدافع في الليلة الأخيرة».


الرؤساء كما الجنرالات يرتكبون الأخطاء. وبعض أخطائهم لها نتائج مدمرة. لكن الدرس الحقيقي من قصة أتكينسون هو أن الخطأ الوحيد الذي لا يُغتفر هو اليأس والاستسلام. وكان هناك الكثير من تلك المواقف في أميركا عام 2013 بين المواطنين والزعماء على حدٍ سواء. ومن هنا نستقبل العام الجديد.

(الشرق الاوسط 1 كانون الثاني/يناير 2014)
التعليقات (0)