كتاب عربي 21

مصر ونهاية الدول الكبرى

1300x600
1300x600
لو نظرنا إلى اللاعبين الأساسيين في عالم السياسة والاقتصاد عربيا، في العقد الأخير، لوجدنا علاقة عكسية بين الحجم والدور. فقبل "الربيع العربي"، لعب لبنان، من خلال حزب الله، دورا أساسيا في الصراع العربي-الإسرائيلي، لا ينافسه إلا دور غزة التي خاضت حربين مع الدولة العبرية.

في "الربيع العربي"، لعبت تونس الدور الأساسي؛ تلتها مصر، الدولة العربية الأكبر. وفي "الربيع العربي" الذي أخذت فيه تونس الصغيرة دور الريادة، اتُهمت قطر الصغيرة بلعب دور المساند الأساسي، سواء

ممن يعتبره ربيعا أو من يعتبره مؤامرة. وفي الثورة المضادة (في مصر) على "الربيع"، أو ثورة يونيو بحسب مؤيديها، اتهمت دولة الإمارات العربية بلعب الدور الحاسم فيها.

أيا كان الموقف القطري أو الإماراتي، فإن التاريخ يوثق أن تونس، البلد العربي الصغير، لعب دورا زلزاليا في المنطقة، غير وجهتها لعقود. وسواء كنت مع هذا التغيير أو ضده، فإن الدول العربية ذات الثقل السكاني والجغرافي، مثل مصر والعراق وسورية والجزائر والمغرب والسعودية، لعبت دورا ثانويا فيه، ومتلقيا لنتائجه.

من دروس العقد الأخير، أن الدول لا تقاس بأحجامها ولا بتاريخها، بل بدورها الفعلي على الأرض. فتاريخ البصرة، مدينة السندباد الأسطورية، لا حضور له مقابل دبي التي تُعد واحدة من عواصم التجارة العالمية. ونحو البصرة والكوفة لم يجد من يحفظه في معجم تاريخي غير قطر، بكلفة مائة وخمسين مليون دولار. ولا شيء يمنع حكومة العراق، ذات الموارد التي تبلغ مليارات، من عمل معجم تاريخي للغة العربية التي وُثقت قواعدها وكُتب أول معجم لها في أرض السواد.

قبل ذلك بعقود، قام بلد صغير مثل الكويت بإصدار مجلة العربي، التي ظلت أجيال عربية لا تعرف مجلة ثقافية غيرها بسعر متاح للعامة. وعند ظهور الفضائيات، على اختلاف مشاريعها الثقافية والسياسية، وجدت في قطر والإمارات موئلا لها، فيما غابت عن العواصم الكبيرة والحواضر التاريخية.

ما هو الدور المصري قبل الثورة وبعدها؟ في حقبة حسني مبارك، اقتصر دور مصر على إعطاء الموافقة "العربية" على غزو العراق العام 1991 والعام 2003، والمشاركة في حصار غزة، ورعاية عملية السلام المزمنة. لم يكن لمصر دور يذكر في الصومال ولا في جنوب السودان. وبعد الثورة، بدأت مصر تشق طريقها بلدا رائدا في التجربة الديمقراطية، ولعبت دورا مساندا للفلسطينيين في حرب غزة الأخيرة وصفقة شاليط. بعد الانقلاب، يصارع العسكر من أجل دور في "مكافحة الإرهاب"، من خلال تدمير أنفاق غزة.

حتى الدول الداعمة للانقلاب، تقول علانية إن عهد المساعدات انتهى، وإنها لن تستمر في دعم الخزينة المصرية. ومصر اليوم بلد يبحث عن المساعدات المالية، والاعتراف بشرعية الانقلاب، وكلاهما مطلبان يحتاجان تنازلات كبرى. وقد غدت مصر ملعبا لسياسات إقليمية، بدلا من أن تكون لاعبا.

لا معنى للحديث عن الدول الكبرى؛ فعدد السكان والجغرافيا يتحولان إلى عبء في الدول الفاشلة.
التعليقات (0)