قضايا وآراء

ما تأثير اغتيال العاروري على مسار الصراع مع إسرائيل؟

فاطمة الجبوري
جيتي
جيتي
شيّعت بيروت وحركة حماس القادة الشهداء الشيخ صالح العاروري والقائد القسامي عزام الأقرع وعضو الحركة محمد الريّس، الذين استشهدوا في الغارة الإسرائيلية على مقرهم في الضاحية الجنوبية. وشارك الآلاف من الفلسطينيين واللبنانيين في التشيّع المهيب، ولف نعش الشهيد العاروري ورفاقه بالعلم الفلسطيني وراية حماس، ووضعت فوق النعش بندقية في إشارة إلى أن الرد على عملية الاغتيال قادم لا محالة.

يأتي اغتيال الشيخ صالح في سياق فشل الحرب الإسرائيلية على غزة بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على الاعتداء، وهو امتداد لفشل مستمر في اغتيال كبار قادة القسام في القطاع، الذي عنونه نتنياهو كأحد الأهداف الرئيسية للعملية البرية في قطاع غزة. ومع ازدياد القناعة العامة بالفشل الإسرائيلي في غزة، سواء في الداخل الإسرائيلي أو بالنسبة للحلفاء في الولايات المتحدة والغرب، ومع تزايد الخلافات بين نتنياهو وقادة الجيش، يبدو أن نتنياهو بدأ يبحث عن صورة للنصر خارج الحدود الفلسطينية عبر عمليات الاغتيال، وهو قد بدأ هذه المرحلة عبر اغتيال الجنرال الإيراني "رضي موسوي" في دمشق، ومن ثم اغتيال القائد العاروري في بيروت، ومن ثم اغتيال قائد في حركة النجباء التابعة للحشد الشعبي في بغداد.

يعد العاروري من أهم القادة في حركة حماس، وعلى الرغم من عمله في المكتب السياسي لحركة حماس، إلا أنه يعد من المخططين الرئيسيين لعملية طوفان الأقصى، ولكن أكثر ما كان يخيف إسرائيل من العاروري، هو نفوذه الواسع في الضفة الغربية وقدرته على خلق نواة مقاومة مسلحة فيها، عبر استنساخ التجربة في غزة ونقلها إلى الضفة الغربية.

على الرغم من أنّ إسرائيل تضفي على عمليتها طابع التعقيد والعمق الاستخباراتي، إلا أن وجود القائد في أحد المكاتب المعروفة لحماس في الضاحية الجنوبية، ينفي عنصر التعقيد عن هذه العملية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن نتنياهو هدد منذ أسابيع بأنه سيعمل على اغتيال قادة المقاومة في أي مكان في العالم. إلا أن لهذه العملية أهمية خاصة، إذ إنها تضع ما يسمى بمحور المقاومة في موقف صعب، فالإبقاء على قواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله على ما كانت عليه، سوف يشجع إسرائيل على تنفيذ المزيد من الاغتيالات وانتهاك سيادة لبنان، ومن جهة أخرى، فإن فتح الجبهة الجنوبية بشكل كامل ومفتوح، سوف يهدد بنشوب حرب إقليمية قد تتسع لتشمل أطرافا إقليمية ودولية من الصعب السيطرة عليها.

وبناء على هذه المعادلة الصعبة في حالة الحرب المفتوحة أو تجاهل الرد، يأتي خطاب نصر الله غامضا دون أخذ موقف صريح سوى في نقطة وحدة هي أن الرد قادم، وذلك لأن حزب الله يدرك بأنّ أهداف اغتيال الشيخ صالح في بيروت تحديدا لا تقتصر على تحييد قائد ذي نفوذ وتأثير، بل تتعداه إلى محاولات لكسر عملية الصراع مع حزب الله وفرض قواعد جديدة للاشتباك.

لم تقتصر تداعيات اغتيال العاروري على فلسطين ولبنان بل تعدتهما إلى دول أخرى، حيث أظهرت عملية الاغتيال جانبا كانت بعض الدول العربية تحاول أن تخفيه، هذا الجانب الذي يتعلق برغبة بعض الدول العربية بتصفية حماس نهائيا، ويأتي هذا الاستنتاج عبر استقراء وسائل الإعلام العربية التي احتفت باغتيال القائد المهم في حماس.

فقد نشر موقع "ae.24" الإماراتي تقريرا بعنوان "بعد العاروري، رؤوس كبيرة في حماس تخطط إسرائيل لقطفها"، شاركت فيه منشورا للمتحدث باسم جيش الاحتلال باللغة العربية، أفيخاي أدرعي. وقد أثيرت العديد من الانتقادات المحقة لنوع هذه التغطية، إذ إنها تتبنى المصطلحات والرواية الإسرائيلية المزيفة، وتتعدى على حركة مقاومة قد تختلف معها، ولكن هذا الاختلاف لا يسوغ للموقع أن يشكك بقضيتها وأهدافها. وعلينا أن نّكر بأنّ حركة حماس التزمت نهجا واضحا جدا، وهو أن تقتصر مقاومتها لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية، ولا تزعزع استقرار الدول العربية ولا تتدخل في شؤونها. وعلى العكس من ذلك، فقد كانت إسرائيل مثلا من تعدت على السيادة الإماراتية واغتالت محمود المبحوح، أحد أعضاء كتائب عز الدين القسام، في دبي في 2010.

 وذهب الشيخ السعودي إبراهيم المحيميد قبل اغتيال الشيخ صالح، إلى أنّ ما تقوم به حركات المقاومة الفلسطينية ليس جهادا في سبيل الله، بل هو جهاد في سبيل الشيطان. ويضيف المحيميد أن من يعد أن ما يحدث في فلسطين انتصارا فعليه أن يراجع عقله وعلاجه من الخلل، وفق تعبيره، متسائلا: "على أي انتصار يتحدثون، ما الذي استفاده المسلمون من 7 أكتوبر؟". وتأتي تصريحات هذا الشيخ في وقت نقل فيه موقع "axios" أن بخلاف التصريحات الرسمية، فإن المملكة ترغب بالقضاء على حركة حماس.

ختام القول، هو أنه علينا الاعتراف بأنه من الصعب على حماس تعويض قائد كالشيخ صالح، ولكن هؤلاء المقاومين يعرفون أنفسهم بأنهم "مشاريع شهداء"، وعليه فإن الحركة لا بد من أنها اتخذت تدابيرها كافة لاستمرار مشروع الشيخ صالح في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، وعليه فإن هذا النهج سوف يستمر، ولن ينقطع أبدا إلى لحظة تحقيق النصر.
التعليقات (0)