صحافة دولية

NYT تكشف تفاصيل مثيرة عن اختفاء جيش الاحتلال خلال "هجوم 7 أكتوبر"

مقاتلو القسام تمكنوا من السيطرة على مساحات واسعة خلال ساعات- إعلام القسام
مقاتلو القسام تمكنوا من السيطرة على مساحات واسعة خلال ساعات- إعلام القسام
كشف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز، عن حالة من التخبط والفوضى والارتباك أصابت دولة الاحتلال والجيش الإسرائيلي بكافة تشكيلاته، يوم عملية طوفان الأقصى، لدرجة أن القوات استعانت بمواقع التواصل الاجتماعي من أجل معرفة أين تحصل الهجمات غير المسبوقة في تاريخهم.

والتقت الصحيفة بضباط وجنود من جيش الاحتلال، في تحقيقها، وحصلت على معلومات من مخبأ المواد العسكرية التي أطلق عليه اسم باندورا، الذي يتضمن وثائق ولقطات مصورة، كثير منها يعود لمقاتلي القسام الذين كانوا يحملون الكاميرات خلال الهجوم الكبير.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن جيش الاحتلال لم يكن منظما، وغير متواجد في مواقعه العسكرية، ولجأ إلى مواقع التواصل الاجتماعي للقيام بعمليات دفاعية، والسبب الرئيسي للفشل كان عدم امتلاك دولة الاحتلال خطة قتالية لعملية هجومية كالتي نفذتها كتائب القسام بصورة واسعة النطاق.

ولفتت إلى أن القيادات العسكرية في المخبأ الآمن -الذين يعرف باسم الحفرة في تل أبيب- كانت تحاول فهم ما يجري، بعد ورود تقارير واتصالات عن إطلاق حماس دفعات كبيرة من الصواريخ.

وشارك في الاجتماع قائد من الفرقة التي تشرف على العمليات العسكرية على طول الحدود مع غزة، وكانت قاعدتهم تتعرض للهجوم، وهي فرقة غزة، ولم يتمكن القائد من وصف نطاق الهجوم أو تقديم المزيد من التفاصيل، واكتفى بطلب إرسال تعزيزات للمكان.

وأوضحت الصحيفة، أنه في تمام 7:43 صباحا، وبعد ساعة على انطلاق الدفعات الصاروخية، دخل الآلاف من المقاومين الفلسطينيين عبر السياج الأمني، وحينها صدرت أوامر لقوات الطوارئ بالتوجه جنوبا، مع كافة الوحدات المتاحة بصورة سريعة.

ولفتت إلى أنه حتى تلك اللحظة، لم يدرك القادة العسكريون أن "إسرائيل كانت تتعرض للاقتحام على قدم وساق"، وكان 1200 شخص يقتلون، بعد فشل الجيش الأكثر تطورا في الشرق الأوسط في مهنته الأساسية بحمايتهم".

وقالت الصحيفة، إن تحقيقاتها خلصت إلى أن الجيش كان يعاني نقصا في الأفراد، وخارج مواقعه، وسوءا في التنظيم، وكان الجنود يتواصلون مع بعضهم عبر تطبيق واتساب ومنشورات على فيسبوك، للحصول على معلومات عن أماكن تواجد مقاتلي القسام.

اظهار أخبار متعلقة



وأشارت إلى أن عناصر القوات الخاصة اندفعوا فقط لمعركة قصيرة، وطياري الهليكوبتر، حصلوا على تقارير عن الأهداف عبر مواقع إخبارية وتطبيق تليغرام.

وكشف جنود عن أنه لو كان لدى "إسرائيل خطة للتعامل مع هكذا هجوم، فهي موجودة على الرف، في مكان ما، ولم يتدرب عليها أحد أو يعرف كيفية التعاطي معها، والتصدي الذي جرى قام به الجنود في ذلك اليوم خلال انتشارهم".

وقال لواء في قوات الاحتلال، والرئيس السابق للقيادة الجنوبية لجيش الاحتلال، توفي ساميه، إنه من الناحية العملية، لم يكن هناك إعداد دفاعي ولا تدريب ولا جهوزية لبناء قوة لمثل تلك العملية.


من جانبه، قال العميد في قوات الاحتياط والنائب السابق لقائد فرقة غزة المسؤولة عن حماية المنطقة، أمير أفيفي: "لم تكن هناك خطة دفاعية لهجوم مفاجئ مثل النوع الذي رأيناه في 7 أكتوبر".

وكشفت الوثائق والمقابلات تفاصيل جديدة حول الهجوم، بما في ذلك التقييمات والأوامر العسكرية مثل تلك التي أصدرتها "الحفرة"، في وقت مبكر من ذلك الصباح، أن الكثير من الفشل العسكري كان بسبب عدم وجود خطة، إلى جانب سلسلة من الأخطاء الاستخباراتية في الأشهر والسنوات التي سبقت الهجوم.

وبحسب الصحيفة، فإن تقديرات الاستخبارات والمخابرات تقول إن حماس لم تكن مهتمة أو قادرة على شن غزو واسع النطاق، ولم تتيقن أن حماس تريد شن هجوم واسع، إلا حين حصلت على خطط قتالية للحركة.

وقالت إن المخابرات الإسرائيلية قامت حتى بتخفيض التنصت على حركة الاتصالات اللاسلكية لحماس، وخلصوا إلى أن ذلك كان مضيعة للوقت.

وقال ياكوف أميدرور، وهو جنرال إسرائيلي متقاعد ومستشار سابق للأمن القومي لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو: "على حد ما أذكر، لم تكن هناك خطة من هذا القبيل، الجيش لا يجهز نفسه لأشياء يعتقد أنها مستحيلة".

ونقلت الصحيفة عن دافيدي بن تسيون، وهو رائد في قوات الاحتياط، قوله إن جنود الاحتياط لم يتدربوا أبدا على الرد في أي لحظة على الاقتحام، وافترض التدريب أن المخابرات الإسرائيلية ستعلم بالغزو الوشيك مقدما، وهو ما يمنح الجنود وقتا لتجهيز أنفسهم.

وأضاف: "الإجراء ينص على أن الكتيبة جاهزة للقتال خلال 24 ساعة، وهناك قائمة مرجعية للسماح بتوزيع كل شيء، ومارسنا هذا لسنوات عديدة".

وقد استفادت حماس من هذه الأخطاء بطرق أدت إلى تأخير الرد الإسرائيلي، بحسب نيويورك تايمز، وقام المسلحون بإغلاق تقاطعات الطرق السريعة الرئيسية، ما أدى إلى تورط الجنود في معارك بالأسلحة النارية في أثناء محاولتهم دخول البلدات المحاصرة. كما أدى حصار حماس للقاعدة العسكرية في جنوب إسرائيل إلى شل مركز القيادة الإقليمي، وشل الرد العسكري.

وفيما يلي النص الكامل للتقرير: 

في السابع من أكتوبر:  جعل "مقاتلو" حماس مهاجمة إسرائيل تبدو سهلة

خلص تحقيق أجرته صحيفة التايمز إلى أن القوات كانت غير منظمة، وخارج مواقعها، واعتمدت على وسائل التواصل الاجتماعي لاختيار الأهداف. وراء هذا الفشل: لم يكن لدى إسرائيل خطة قتالية لمواجهة غزو حماس واسع النطاق.

بعيدًا تحت المقر العسكري الإسرائيلي في تل أبيب، في مخبأ يُعرف باسم "الحفرة"، كان القادة يحاولون فهم التقارير عن إطلاق حماس الصواريخ على جنوب إسرائيل في وقت مبكر من صباح يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر، عندما وردت المكالمة؛ حيث كان على الخط قائد من الفرقة التي تشرف على العمليات العسكرية على طول الحدود مع غزة، وكانت قاعدتهم تتعرض للهجوم، ولم يتمكن القائد من وصف نطاق الهجوم أو تقديم المزيد من التفاصيل؛ وفقًا لمسؤول عسكري مطلع على المكالمة، لكنه طلب إرسال كافة التعزيزات المتاحة.

في الساعة 7:43 صباحًا؛ بعد أكثر من ساعة من بدء الهجوم الصاروخي واقتحام الآلاف من مقاتلي حماس إلى إسرائيل، أصدرت "الحفرة: تعليمات الانتشار الأولى لهذا اليوم، وأمرت جميع قوات الطوارئ بالتوجه جنوبًا، جنبًا إلى جنب مع جميع الوحدات المتاحة التي يمكنها القيام بذلك بسرعة.

لكن القادة العسكريين في البلاد لم يدركوا بعد أن غزو إسرائيل كان يجري بالفعل على قدم وساق؛ فبعد ساعات، كان المواطنون الإسرائيليون اليائسون ما زالوا يدافعون عن أنفسهم ويطلبون المساعدة، وقُتل ما يقرب من 1200 شخص عندما فشل الجيش الأكثر تقدمًا في الشرق الأوسط في مهمته الأساسية: حماية حياة الإسرائيليين.

وقد يستغرق فهم الأسباب الكاملة وراء الاستجابة البطيئة للجيش عدة أشهر/ ووعدت الحكومة بإجراء تحقيق، لكن تحقيقًا أجرته صحيفة نيويورك تايمز وجد أن الجيش الإسرائيلي كان يعاني من نقص في عدد الأفراد، وكان خارج مواقعه، وعانى أيضًا من سوء التنظيم لدرجة أن الجنود تواصلوا في مجموعات مرتجلة على تطبيق واتساب واعتمدوا على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي لاستهداف المعلومات، واندفع الكوماندوز إلى المعركة مسلحين فقط بأسلحة تكفي لمعركة قصيرة، وأُمر طيارو طائرات الهليكوبتر بالاطلاع على التقارير الإخبارية وقنوات "تيليغرام" لاختيار الأهداف.

ولعل الأمر الأكثر إدانة هو أن الجيش الإسرائيلي لم يكن لديه حتى خطة للرد على هجوم واسع النطاق لحماس على الأراضي الإسرائيلية، وفقًا لجنود وضباط حاليين وسابقين، فقد قال الجنود إنه إذا كانت مثل هذه الخطة موجودة على الرف في مكان ما، فلم يتدرب عليها أحد ولم يتبعها أحد، ولقد اختلقها الجنود في ذلك اليوم أثناء تحركهم.

وقال يوم توف سامية، وهو لواء في قوات الاحتياط الإسرائيلية والرئيس السابق للقيادة الجنوبية للجيش: "من الناحية العملية، لم يكن هناك إعداد دفاعي صحيح، ولا تدريب، ولا تجهيز وبناء القوة لمثل هذه العملية".

وقال أمير أفيفي، العميد في قوات الاحتياط والنائب السابق لقائد فرقة غزة المسؤولة عن حماية المنطقة: "لم تكن هناك خطة دفاعية لهجوم مفاجئ مثل النوع الذي رأيناه في 7 تشرين الأول/أكتوبر".
إن هذا الافتقار إلى الاستعداد يتعارض مع المبدأ التأسيسي للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، فمنذ أيام ديفيد بن غوريون؛ أول رئيس وزراء ووزير دفاع لإسرائيل، كان الهدف هو أن تكون إسرائيل دائمًا في موقف الهجوم؛ لتوقع الهجمات وخوض المعارك في أراضي العدو.

وردًّا على سلسلة من الأسئلة من التايمز؛ بما في ذلك لماذا قال الجنود والضباط على حد سواء أنه لا توجد خطة، أجاب جيش الدفاع الإسرائيلي: “إن الجيش الإسرائيلي يركز حاليًا على القضاء على التهديد الذي تشكله منظمة حماس. وسيتم النظر في أسئلة من هذا النوع في مرحلة لاحقة".

يستند تحقيق التايمز إلى وثائق حكومية إسرائيلية داخلية ومراجعة لمخبأ المواد العسكري، المعروف باسم "باندورا"، والذي يحتوي على عشرات الآلاف من مقاطع الفيديو، بما في ذلك لقطات من الكاميرات التي كان يرتديها مقاتلو حماس وكاميرات مراقبة الدائرة المغلقة. وأجرت صحيفة التايمز مقابلات مع عشرات الضباط والقوات المسلحة وشهود عيان، تحدث بعضهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم لأنهم غير مخولين بالتحدث علنًا عن العمليات العسكرية.

كشفت الوثائق والمقابلات تفاصيل جديدة حول الهجوم، بما في ذلك التقييمات والأوامر العسكرية مثل تلك التي أصدرتها "الحفرة" في وقت مبكر من ذلك الصباح، وتظهر هذه النتائج مجتمعة أن الكثير من الفشل العسكري كان بسبب عدم وجود خطة، إلى جانب سلسلة من الأخطاء الاستخباراتية في الأشهر والسنوات التي سبقت الهجوم.

أصدرت الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تقييمات متكررة مفادها أن حماس لم تكن مهتمة أو قادرة على شن غزو واسع النطاق، وتمسكت السلطات بهذه النظرة المتفائلة حتى عندما حصلت إسرائيل على خطط قتالية لحماس كشفت أن الغزو هو بالضبط ما كانت حماس تخطط له.

إن القرارات، في وقت لاحق، مشوبة بالغطرسة؛ حيث إن فكرة قيام حماس بتنفيذ هجوم طموح كان يُنظر إليها على أنها غير محتملة إلى حد أن مسؤولي المخابرات الإسرائيلية قاموا حتى بتخفيض التنصت على حركة الاتصالات اللاسلكية لحماس، وخلصوا إلى أن ذلك كان مضيعة للوقت.

ولم يتمكن أي من الضباط الذين تمت مقابلتهم، بما في ذلك أولئك المتمركزون على طول الحدود، من تذكر المناقشات أو التدريب على أساس خطة لصد مثل هذا الهجوم؛ حيث قال ياكوف أميدرور، وهو جنرال إسرائيلي متقاعد ومستشار الأمن القومي السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "على حد ما أذكر، لم تكن هناك مثل هذه الخطة، الجيش لا يجهز نفسه لأشياء يعتقد أنها مستحيلة".

وكانت الحكومة الإسرائيلية قد قررت أن الحرس المدني غير المنظم، المعروف باسم كيتات كونينوت، سيكون بمثابة خط الدفاع الأول في البلدات والقرى القريبة من الحدود، لكن كان لدى الحراس معايير مختلفة للتدريب اعتمادًا على من كان مسؤولاً. فلسنوات؛ حذروا من أن بعض وحداتهم كانت سيئة التدريب وغير مجهزة، وفقًا لمسؤولين عسكريين إسرائيليين لديهما معرفة مباشرة بفرق المتطوعين.
بالإضافة إلى ذلك؛ لم يكن جنود الاحتياط العسكريين الإسرائيليين مستعدين للتعبئة والانتشار بسرعة. ووصف البعض كيف توجهوا جنوبًا بمبادرة منهم.

وقال دافيدي بن تسيون (38 عامًا)، وهو رائد في قوات الاحتياط، إن جنود الاحتياط لم يتدربوا أبدا على الرد في أي لحظة على الغزو، وافترض التدريب أن المخابرات الإسرائيلية ستعلم بالغزو الوشيك مقدمًا، مما يمنح جنود الاحتياط الوقت الكافي للاستعداد للانتشار، وأضاف: "الإجراء ينص على أن الكتيبة جاهزة للقتال خلال 24 ساعة، وهناك قائمة مرجعية للسماح بتوزيع كل شيء. لقد مارسنا هذا لسنوات عديدة".

وقد استفادت حماس من هذه الأخطاء بطرق أدت إلى تأخير الرد الإسرائيلي، وقام مقاتلوها بإغلاق تقاطعات الطرق السريعة الرئيسية، مما أدى إلى تورط الجنود في معارك بالأسلحة النارية أثناء محاولتهم دخول البلدات المحاصرة، كما أدى حصار حماس للقاعدة العسكرية في جنوب إسرائيل إلى شل مركز القيادة الإقليمي، وشل الرد العسكري.

ولا يزال الكثير غير معروف بشأن ذلك اليوم، بما في ذلك الأوامر التي صدرت داخل القيادة العسكرية العليا لإسرائيل في تل أبيب، ومتى. ويبنى تحقيق التايمز على التغطية العدوانية في وسائل الإعلام الإسرائيلية للرد العسكري ويضيف تفاصيل جديدة.

وسرعان ما علم الضباط وجنود الاحتياط الذين توجهوا جنوبًا في ذلك الصباح، سواء بأوامر أو من تلقاء أنفسهم، بالفوضى التي كانوا يدخلونها.

وقد توجه الجنرال باراك حيرام، الذي كان من المقرر أن يتولى قريبًا قيادة فرقة على طول حدود غزة، جنوبًا ليرى بنفسه كيف رد الجنود هناك على ما بدا وكأنه هجوم روتيني لحماس.

وتذكر في إحدى المقابلات الرسائل النصية التي تلقاها من جنود يعرفهم في المنطقة:
"تعالوا وأنقذونا"
"أرسلوا الجيش بسرعة، إنهم يقتلوننا"
"آسف لأننا نلجأ إليك، لقد نفدت الأسلحة بالفعل"

غير مستعد للمعركة

وكانت وحدات الكوماندوز من بين أولى الوحدات التي تم حشدها في ذلك الصباح؛ حيث قال بعضهم إنهم اندفعوا إلى القتال بعد تلقيهم رسائل تطلب المساعدة أو علموا عن عمليات التسلل من وسائل التواصل الاجتماعي، ووكانت الوحدات الأخرى على أهبة الاستعداد وتلقت أوامر تفعيل رسمية.
ويشير الحجم الصغير للفرق إلى أن القادة أساؤوا فهم التهديد بشكل أساسي، وانتشرت القوات بالمسدسات والبنادق الهجومية، وهو ما يكفي لمواجهة مجموعة من الإرهابيين الذين يحتجزون الرهائن، ولكن ليس للدخول في معركة واسعة النطاق.

تظهر الوثائق التي لم يتم الكشف عنها سابقًا والتي استعرضتها صحيفة التايمز مدى سوء قراءة الجيش للوضع بشكل كبير؛ حيث تظهر السجلات في وقت مبكر من اليوم أنه حتى أثناء الهجوم، لا يزال الجيش يقدر أن حماس، في أحسن الأحوال، ستكون قادرة على اختراق السياج الحدودي الإسرائيلي في أماكن قليلة فقط. وتظهر وثيقة استخباراتية منفصلة، تم إعدادها بعد أسابيع، أن فرقة حماس اخترقت بالفعل السياج في أكثر من 30 موقعًا وسرعان ما توغلت في عمق جنوب إسرائيل.

وتدفق مقاتلو حماس على إسرائيل بالبنادق الآلية الثقيلة وقاذفات القنابل الصاروخية والألغام الأرضية وغير ذلك الكثير. كانوا على استعداد للقتال لعدة أيام. ويبدو أن قوات الكوماندوز الإسرائيلية اعتقدت أنهم سيقاتلون لمدة ساعات فقط؛ فقد قال أحدهم إنه انطلق في ذلك الصباح بدون نظارات الرؤية الليلية.

وقال يائير أنسباخر، 40 عامًا، وهو جندي احتياطي في وحدة مكافحة الإرهاب الذي قاتل في 7 تشرين الأول/أكتوبر: "كان لدى مقاتلي حماس ميزة تكتيكية واضحة في القوة النارية"، وأضاف أنه وزملاؤه استخدموا بشكل أساسي المسدسات والبنادق الهجومية وأحيانًا بنادق القنص.

كان الوضع رهيبًا للغاية لدرجة أنه في الساعة التاسعة صباحًا، أصدر رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي شين بيت، أمراً نادراً. وطلب من جميع الموظفين المدربين على القتال وحاملي الأسلحة التوجه جنوبًا، فالشاباك لا ينشط عادة مع الجيش، وقُتل في ذلك اليوم عشرة من نشطاء الشاباك.

وما يزيد الطين بلة أن الجيش اعترف بأنه نقل سريتين من قوات الكوماندوز ــ أكثر من 100 جندي ــ إلى الضفة الغربية قبل يومين فقط من الهجوم، وهو ما يعكس اعتقاد إسرائيل الخاطئ بأن هجوم حماس لا يشكل تهديدًا وشيكًا.

وبقيت ثلاث كتائب مشاة وكتيبة دبابات واحدة على طول حدود غزة، لكن يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر كان يوم العيد اليهودي سمحات التوراة والسبت، وقدر أحد كبار الضباط العسكريين أن حوالي نصف الجنود البالغ عددهم 1500 جندي في المنطقة كانوا غائبين. وقال إنه تم إعادة تكليف كتيبة مشاة أخرى قبل سنوات بعد أن انتهت إسرائيل من بناء جدار أمني حول غزة.

ومن غير الواضح ما إذا كانت حماس تعلم أن الجيش يعاني من نقص في العدد، لكن كان لذلك عواقب وخيمة. فعندما بدأت الهجمات؛ كان العديد من الجنود يقاتلون من أجل حياتهم بدلاً من حماية السكان في مكان قريب. واقتحمت حماس قاعدة واحدة، ناحال عوز، وأجبرت الجنود على تركها وتركوا وراءهم أصدقاء قتلى.

وكما حذر المتطوعون المدنيون، تم التغلب بسرعة على خط الدفاع الأول داخل إسرائيل، وقال مسؤولون إن بعض الوحدات لم يكن لديها أسلحة كافية لخوض معركة استمرت ساعات.

وعملت حماس بشكل إستراتيجي على إضعاف تفوق إسرائيل في القوة النارية؛ حيث قال العميد هشام إبراهيم، قائد سلاح المدرعات، إن مقاتلي حماس استهدفوا الدبابات الإسرائيلية وأصابوا عددا منها؛ حيث نفدت ذخيرة الدبابات، وتركت أطقمها للقتال مع الجنود على الأرض.

وفي حالة أخرى غطتها وسائل الإعلام الإسرائيلية على نطاق واسع، أطلقت حماس النار على طائرة هليكوبتر إسرائيلية، مما أجبرها على الهبوط بالقرب من غزة، ونجا المظليون من الإصابة قبل أن تشتعل النيران في المروحية.

كل هذا كان ينبغي أن يكون إشارة واضحة إلى أن إسرائيل تتعرض لهجوم واسع النطاق، وتواجه وضعًا رهيبًا، لكن حماس وجهت ضربة إستراتيجية أخرى في ذلك الصباح أعمى الجيش الإسرائيلي في لحظة حرجة.

"يا له من خطأ"
الهجوم على قاعدة رعيم العسكرية ترك الجنود هناك يقاتلون من أجل حياتهم بدلًا من تنسيق الرد على الغزو؛ فرعيم هي مركز قيادة فرقة غزة، التي تشرف على جميع العمليات العسكرية في المنطقة. كما يتركز بها لواءان، شمالي وجنوبي، مخصصيْن لحماية حوالي 40 ميلاً من الحدود.

ومثل القواعد الأخرى؛ كانت رعيم تعاني من نقص في الموظفين بسبب العطلة، فقد كان قائد لواء وطاقم رئيسي بعيدًا عن القاعدة، وفقًا لضابط عسكري كبير. وقال مسؤولون إنه تم استدعاؤهم قبل الفجر، في الوقت الذي حاول فيه مسؤولو المخابرات الإسرائيلية فهم نشاط حماس غير المعتاد عبر الحدود في غزة.

ومع ذلك؛ سُمح للعديد من الجنود بالاستمرار في النوم، وقال أحدهم لصحيفة التايمز إن البعض لم يعرفوا أنهم يتعرضون للهجوم إلا عندما كانت حماس في أماكن نومهم، وقُتل العديد منهم في أسرّتهم، وتحصن آخرون في غرف آمنة.

وكان من الممكن منع توسع الكارثة، إن لم يكن وقف الهجوم نفسه، وفقًا للسجلات والمقابلات؛ فقد قال اللواء سامية، الرئيس السابق للقيادة الجنوبية: "بعد أن بنوا السياج، وضعوا المقر في وسط القطاع"، مضيفًا: إن قادة الألوية والفرقة الثلاثة لم يكن ينبغي أن يتم إيواؤهم معًا على مقربة من حدود غزة، وقال: "في نفس المعسكر، كان لديكم ثلاثة منهم – في نفس الموقع؛ يا له من خطأ. يا له من خطأ".

وأظهرت وثائق حصلت عليها التايمز سابقًا أن السلطات الإسرائيلية علمت أيضًا، قبل سنوات، أن حماس خططت للقضاء على رعيم كجزء من غزوها. لقد رفضوا هذه الخطة، مثل احتمال الغزو الشامل، باعتبارها غير قابلة للتصديق.

وحتى في شهر أيار/مايو، عندما أثار محللو الاستخبارات إنذارات بشأن التدريبات التدريبية لحماس، لم يقم المسؤولون الإسرائيليون بزيادة مستويات القوات في الجنوب.

وأدى الهجوم على رعيم إلى انقطاع شبه تام للاتصالات داخل الوحدة التي تنسق تحركات القوات عبر جنوب إسرائيل، وفقًا لجندي كان متمركزًا هناك في 7 تشرين الأول/أكتوبر؛ حيث كان من المفترض أن توده الفرقة المعركة وتحاول ألا يتم تجاوزها.

وحتى عند الظهر؛ وفقًا لمسؤول آخر في القيادة الجنوبية، لم يفهم الضباط هناك ما كان يحدث، فقدروا أن حماس أرسلت حوالي 200 مسلح إلى إسرائيل، ولكنهم كانوا عشرة أضعاف؛ حتى أن الجيش استغرق معظم اليوم في استعادة السيطرة على قاعدة رعيم.

وقال الجنرال إبراهيم، قائد سلاح المدرعات المتمركز في جنوب إسرائيل: "عندما تتعرض فرقتك لإطلاق النار، فإنك تركز على تطهيرها من المهاجمين؛ وهو ما يصرف الانتباه عن إدارة القتال على نطاق أوسع." ودافع اللواء إبراهيم عن رد الجيش، قائلاً إن هناك القليل من الجيوش الحديثة التي كان بإمكانها استعادة المنطقة بالسرعة التي فعلتها إسرائيل. 

لكن لم يتدرب أحد على صد الغزو.

"إبطاء تقدمنا"

لقد فهمت حماس كيفية استخدام جغرافية إسرائيل ضد جيشها.

فعلى الرغم من حصار رعيم، لم تكن التعزيزات بعيدة، وكان آلاف الجنود على بعد أقل من 40 دقيقة من البلدات التي تعرضت للهجوم، ولكن بينما كان المواطنون المذعورون ينتظرون في المخابئ أو يختبئون من المسلحين، تم تعويق الجنود الإسرائيليين على الطريق السريع، ولم يتمكنوا من الوصول إليهم.

ويربط طريق سريع مركزي القواعد العسكرية في وسط وجنوب البلاد بالبلدات القريبة من غزة، وتظهر مقاطع فيديو من باندورا أن جيوبًا من مسلحي حماس نصبت كمائن على طول الطريق، وكان القادة الإسرائيليون مترددين في إرسال جنود إلى تلك الفخاخ، وفقًا لضابطين عسكريين إسرائيليين شاركا في المحادثات ذلك الصباح.

وقال جندي إسرائيلي في محادثة رواها أحد المشاركين: "حماس موجودة في كل الطرق؛  إنهم من يملكون الشارع وليس نحن".

وكان أحد أكثر التقاطعات دموية هو شارع هنيغف، وهو تقاطع شريانين رئيسيين يؤديان إلى البلدات والمجتمعات المحاصرة المعروفة باسم الكيبوتسات؛ حيث استولت حماس على المفترق عن طريق قتل سائقي السيارات وإضرام النار في سياراتهم وقطع الطرق، بحسب مسؤولين عسكريين ومقاطع فيديو.
وقال السيد أنسباخر، وهو جندي احتياط في مكافحة الإرهاب، وهو يروي التقدم المحبط الذي أحرزه الفريق: "كل مواجهة عند التقاطعات أدت إلى مقتل المهاجمين وإبطاء تقدمنا؛ فبينما نمضي قدمًا، ندرك أننا تأخرنا حقًا. ففي الكيبوتسات، هم بحاجة إلينا والناس يُقتلون".

ضباب الحرب
وتعمل وحدة كوماندوز النخبة من ماجلان انطلاقًا من قاعدة تبعد حوالي 25 دقيقة عن غزة، وقام نائب قائدها بتنشيط الوحدة في حوالي الساعة 6:30 صباحًا يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وفقًا لأحد الضباط المطلعين على العمليات في ذلك اليوم. لكن الفريق لم يتلق سوى القليل من التوجيه من كبار الجنرالات الإسرائيليين أو من مقر فرقة غزة، الذي لم يدركوا أنه هو نفسه يتعرض للهجوم.

تخصصت قوات كوماندوز ماجلان في العمل خلف خطوط العدو، حيث توقعت إسرائيل دائمًا حدوث القتال، وقال الضابط إن أيًّا منهم لم يتدرب على الرد على الغزو، وأنه لا توجد "مهام ملموسة"، كما قيل للجنود أن "يحملوا السلاح" و"ينقذوا الناس".

مع انقطاع الاتصالات خارج رعيم ومعاناة القادة العسكريين في تل أبيب لفهم نطاق الهجوم، لجأت ماجلان إلى مصدر غير متوقع للحصول على معلومات: رفائيل هايون، البالغ من العمر 40 عامًا والذي يعيش مع والديه في نتيفوت، حول خمسة أميال من غزة؛ حيث شاهد السيد هايون مقاطع فيديو تابعة لحماس للهجوم في الوقت الحقيقي على وسائل التواصل الاجتماعي ونقل المعلومات إلى ضباط ماجلان، وبدأ في إرسال رسائل "واتساب" من أشخاص يحاولون إنقاذ أطفالهم وأصدقائهم وأنفسهم.

وجاء في إحدى الرسائل: "مرحبًا رفائيل، نحن عالقون في حاوية قمامة بالقرب من موقع الحفلة، من فضلك تعال وأنقذنا، فنحن 16 شخصًا".

وقد نقل السيد هايون تلك المواقع إلى قوات الكوماندوز، لكنهم لم يدركوا ضخامة القتال. وقامت إحدى فرق ماجلان بقتل العديد من مقاتلي حماس بالقرب من قاعدة في زيكيم، شمال غزة، لكنهم لم يدركوا حتى الساعة 11 صباحًا أن مقاتلي حماس قد اقتحموا كفار عزة، حيث وقعت بعض أسوأ المعارك.

وقام الجنود بجمع المعلومات من مصادر جماعية، وطلب أحد قادة الفريق من الجنود على متن طائرة هليكوبتر التحقق من قنوات "نيليغرام" والتقارير الإخبارية لاختيار الأهداف.

وقال أحد الجنرالات، وهو جندي احتياطي قاتل في ذلك اليوم، إنه كان هناك العديد من الأبطال في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لكن الجيش يحتاج إلى الأبطال فقط، على حد قوله، عندما تسوء الأمور.
الجنود هم من بين أولئك الذين يتساءلون كيف سارت الأمور على نحو خاطئ. وقال الرائد بن تسيون، جندي الاحتياط، إن وحدة المظليين التابعة له غادرت قاعدتها في وسط إسرائيل، غير البعيدة عن تل أبيب، في قافلة حوالي الساعة 1:30 بعد الظهر، فلقد قاموا بالتعبئة من تلقاء أنفسهم، دون أمر استدعاء رسمي. ولتوفير الوقت؛ غادروا دون معدات الرؤية الليلية أو الدروع الواقية للبدن.

وتوقع أن ترى الطرق مكتظة بالجنود والمعدات والمدرعات متجهة جنوبًا. وقال وهو يتذكر في مقابلة: "الطرق كانت فارغة!"؛ وبعد حوالي سبع ساعات من القتال، التفت إلى جندي الاحتياط الذي كان بجانبه وسأل: "أين جيش الدفاع الإسرائيلي؟".
التعليقات (0)