قضايا وآراء

غزة وإذلال المتربصين بها

نزار السهلي
- الأناضول
- الأناضول
صحيح أن الموقع الجغرافي لغزة يمثل الحلقة الأضعف أمنيا وعسكريا من ناحية التطويق والحصار الإسرائيلي لها ومشاركة مصر بهذا الحصار من خلال الخضوع لشروط المراقبة الصهيونية على كل شيء يرد إلى غزة، وبمقارنة إمكانيات المواجهة فيها للمقاومة مع إمكانيات الاحتلال الضخمة في العتاد والتسليح والتفوق الجوي والتكنولوجي والدعم غير المحدود من الولايات المتحدة والدول الغربية، إلا أن المواجهة المستمرة وقدرة المقاومة على صد الهجمات، والتصدي للعدوان وإيقاع خسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال بعد شهرين من بدء العدوان، أربك المؤسسة العسكرية الصهيونية التي حاولت التعتيم على مجريات المواجهة في غزة، وكالعادة بثت الأكاذيب وفبركت قصص كذبتها وقائع الأحداث في الميدان وفي كل أحياء غزة، من بيت حانون وبيت لاهيا في الشمال إلى رفح جنوبا، والتي بقي فيها شاهدٌ ناصع من تفوق الهمجية الصهيونية على حياة الغزيين وتدميرها، وكثرة المذابح بحق المدنيين في غزة، انتقاما من المقاومة فيها على جرأتها وقدرتها على إيذاء المحتل والتصدي له.

شعور الاحتلال بالألم المهين والمذل، استدعى سُعارا عالميا لحمايته، من واشنطن إلى لندن وباريس وروما وبرلين، وبالهرولة لتقديم العون لهذا المشروع الاستعماري وإبداء كل القلق والخوف عليه من التصدع، وبدأت العقلية المشتركة للقوى الاستعمارية محاولة رسم مستقبل غزة والفلسطينيين، بما يتناسب وتخفيف القلق على هذا المشروع بإعادة شيطنة الفلسطينيين ومقاومتهم، وربطها بأجندات ومشاريع "خارجية" على أساس الاطمئنان للماضي؛ بالتسليم بأن الشعب الفلسطيني وقضيته مصيرهما مربوط بما يمن عليهم المحتل به من قبوله عزلهم في كانتونات ورضوخهم للأمر الواقع من المراوغة والتسويف لأكثر من ثلاثة عقود، والأهم أن هناك طوقا وسياسة عربية تنظر للفلسطينيين من باب "إنساني" تمقت فيهم أي مقاومة يبدونها بوجه المحتل، وتجتر قلق من سلوكه الفاشي نحوهم، وهذا يلائم حالة انهيار عربي رسمي أعقبت أوسلو 1993، وتوجت في دعم ثورات مضادة على الربيع العربي، وعودة تمتين أنظمة الاستبداد والقمع العربي الذي فُهمَ منه في جولة العدوان الحالية على غزة، حاجة صهيونية متبادلة بين هذه الأنظمة والاحتلال للتخلص من عبءٍ فاضحٍ للمقاومة الفلسطينية التي أظهرت جيوش أنظمةٍ عربية تعيش حالة عطالة تامة عسكرية وسياسية وتاريخية.

وأخبار من غزة لم تبعث على السرور في نفوس الصهاينة، ولا في دوائر حلفائهم العرب المنتظرين نصرا صهيونيا على المقاومة، فأخبار الميدان والمواجهة التي تكشف عنها بيانات المقاومة وتقاريرها المصورة، وأرقامها المرعبة للاحتلال، والكاشفة لأباطيل كثيرة عن سير المعارك هناك، وكشفت عن بسالةٍ ظهر عليها المقاوم الفلسطيني، وأحدثت قلقا لدى الدوائر الصهيونية.

والجدل الأخير في الصحافة العبرية عن أرقام الخسائر والخلاف بين رقمي الألفين والخمسة آلاف إصابة بين جنود الاحتلال، يكفي لكشف المأزق الكبير الذي تتخبط فيه حكومة الاحتلال من وراء التورط بالعدوان البري في غزة، لكن هذه الأرقام والحقائق يجري تسخيفها والنيل منها ومن مصداقيتها في إعلام عربي يخدم الرواية الصهيونية ليدافع عن عطالة أنظمته السياسية والعسكرية والأخلاقية والوطنية، في محاولة لعب دور المؤثر لتأكيد عدم جدوى مقاومة الفلسطينيين للمحتل، وأن يكونوا أدوات لتنفيذ مصالحه على الأرض مقابل ما يمنّ عليهم به.

ونعود لغزة ولظروف واقعها المرتبط مع بقية القضية الفلسطينية ولدور السلطة الفلسطينية منذ 17 عاما، والتحريض المستمر عليها، ومواجهتها لخمس حروب طاحنة مع ظروف الحصار، وتطور المقاومة فيها بالشكل الذي يجري هذه الأيام، بمقابل الاصطفاف والتحالف ضد المقاومة وإدخال بعض النظام العربي الرسمي في خندق التحالف المعادي للمقاومة والمساهمة بالضغط عليها لصالح المحتل الإسرائيلي ولمشاريعه في تصفية المقاومة.

وتطبيق الاحتلال لسياسة التهجير في غزة لا يتأثر بالقلق منها والرفض العربي لها. وكما هو معروف فإن التفكير الجدي هذه الأيام بقدرة السياسة العربية على امتلاك إرادة قادرة على إفشال أو لجم هذه المشاريع أو القدرة على رسم سياسات لها علاقة بالمالح الوطنية؛ هو تفكير ساذج بمنطق المعرفة والوعي بهذه الأنظمة ودورها ووظائفها. لذلك نرى أن إنقاذ البشر من الجوع يفشل لأنه ببساطة وصراحة النظام في مصر يعبر عن إخلاص منحط لشروط صهيونية وبكفاءة غير إنسانية وغير أخلاقية. فالصمت عن المذابح يتم بطريقة استبدال المواقف بإرسال أطنان من المساعدات المكدسة في العريش ورفح كرفع العتب عن العطب الأخلاقي، من خلال التستر بعبارة الحاجة الملحة لوصول المساعدات (المتوقفة على الحدود) والتي دخل بعضها أثناء الهدنة بفضل بسط المقاومة لشروطها، فيما حاول البعض التمسح بمظهر إنساني أمامها.

أمام كل التحولات التي حدثت في غزة، من خلال إيقاع المقاومة لخسائر في صفوف قوات الاحتلال، ومن خلال وتيرة المواجهات التي أذلت المتربصين بالمقاومة الفلسطينية في محاولة لحرمانها من مواقعها بين أبناء شعبها، فهي قد لا تنتهي بنصر عسكري يؤدي لهزيمة "إسرائيل" وتفكيك بنيتها الاستعمارية، لكن المواجهة أعادت للواجهة أهم قضية لشعبٍ تحت الاحتلال، مع تجربة نضالية بأن الصراع التاريخي والمصيري مع المشروع الاستعماري في فلسطين يمكن أن تحسمه عدة معارك سياسية وأخلاقية وقانونية وعسكرية.

وهذه الجولة من معركة غزة ومقاومتها للعدوان وتصدي الشعب الفلسطيني في كل المدن الفلسطينية للسياسة الاستعمارية؛ تدحض بعض أفكار وسياسات وتمنيات عربية متصهينة ومستبدة عن حتمية خضوع وسحق إرادة ملايين العرب والفلسطينيين الذين تتفاقم معاناتهم ويتضاعف عذابهم بسبب الانهيار العربي الشامل أمام العدوان الصهيوني، فيما التصدي له أحدث إذلالا عربيا رسميا وصهيونيا غير مسبوقين بتاريخ الصراع.

twitter.com/nizar_sahli
التعليقات (0)