قضايا وآراء

الزعيم اللئيم والصعلوك الكريم (13)

أحمد عبد العزيز
انقلب عبد الناصر على جميع شركائه وانفرد بالسلطة
انقلب عبد الناصر على جميع شركائه وانفرد بالسلطة
نستكمل في هذه الحلقة، قراءة الجزء الثاني من الاجتماع الذي يُعد "الأخير" في سلسلة الاجتماعات التي تمت بين عدد من قيادات الإخوان المسلمين، والضباط "الأحرار"، قُبَيل وبعد الانقلاب على الملك فاروق، وإرغامه على التنازل على العرش ومغادرة مصر..

اقتصر هذا الاجتماع (الخطير المثير بحق) على كاتب محاضر هذه الاجتماعات المحامي حسن العشماوي، وجمال عبد الناصر، ثم انضم إليهما عبد الحكيم عامر الذي حاول أن ينجح فيما فشل فيه عبد الناصر، ألا وهو إقناع العشماوي بالانضمام إلى صف العسكر (عبد الناصر ورفاقه)؛ لأن قراراً بتصفية الإخوان المسلمين قد اتخذه الضباط "الأحرار".. ذلك لأن عبد الناصر اعتبر الإخوان "عُصاة"، ولا مكان لعاصٍ في ظل السلطة الجديدة! إذ قال للعشماوي في هذا الاجتماع ما نصه:

"فكر يا حسن ولا تتعجل الرد، فإني سأقضي على الإخوان.. لن أسمح للعُصاة بالبقاء".

إن محضر هذا الاجتماع (في نظري) من أهم الوثائق التاريخية (إن لم يكن أهمها على الإطلاق) التي تثبت بما لا يدع مجالا للشك؛ أن قرار القضاء على الإخوان المسلمين قد اتخذه عبد الناصر أثناء هذه الاجتماعات التي خرج منها بقناعة راسخة مفادها أنه لا يمكنه الانفراد بالسلطة في وجود الإخوان، ومن ثم لا بد من القضاء عليهم، حتى لو تم ذلك باختلاق الذرائع وتلفيق الاتهامات، وهو ما كان حرفيا!

محضر هذا الاجتماع (في نظري) من أهم الوثائق التاريخية (إن لم يكن أهمها على الإطلاق) التي تثبت بما لا يدع مجالا للشك؛ أن قرار القضاء على الإخوان المسلمين قد اتخذه عبد الناصر أثناء هذه الاجتماعات التي خرج منها بقناعة راسخة مفادها أنه لا يمكنه الانفراد بالسلطة في وجود الإخوان، ومن ثم لا بد من القضاء عليهم، حتى لو تم ذلك باختلاق الذرائع وتلفيق الاتهامات،
من الطرائف التي تجري على ألسنة الإخوان: "يوجد أخ عامل، ويوجد عامل أخ".. وتعني: يوجد أخٌ عاملٌ لدينه ودعوته ووطنه، ويوجد صنف آخر يتصنع أو يتكلف هذه الأخوَّة؛ لتحقيق مآرب شخصية لا علاقة لها بدين أو بدعوة!

في هذا الاجتماع سنجد مفهوم "الأخ العامل" متجسدا في حسن العشماوي، الذي رفض عرض عبد الناصر، وأبى أن يبيع إخوانه بعرَضٍ دنيوي زائل، رغم ما تأكد له من فداحة الثمن الذي سيدفعه مقابل "غفلته" حسب وصف عبد الناصر، ومقابل "وفائه" لدعوته وإخوانه حسب وصف العشماوي لموقفه..

يقول العشماوي لعبد الناصر:

"لا تعنيني تسمياتك للأشياء.. فنحن مختلفان في التسميات عادة.. ولكن تعنيني الحقائق كما أراها.. العبرة بالمسميات لا بالأسماء يا جمال.. فما قد تسميه أنت غفلة لأنه يخالف المصلحة الشخصية، أسميه أنا وفاءً".

أما وصف الصنف الآخر من الإخوان، أي ذاك الذي "عامل أخ"، فقد جاء على لسان عبد الناصر، حين تدخّل في الحديث (بغضب) بين العشماوي وعامر:

"أرأيت يا عبد الحكيم، كيف يسعى إلينا الكثير من الإخوان يحاولون إرضاءنا.. ونسعى نحن لإرضاء حسن.. ولكنه يرفض.. ماذا نفعل؟".

كان لدى العشماوي قناعة بأن عبد الناصر سينتصر في حربه على الإخوان، كونه أصبح يمتلك القوة، وبات صاحب النفوذ والقرار، وقد صرخ بذلك لعبد الناصر في هذا الاجتماع.. ورغم ذلك، لم يتردد في أن يكون في صف الخاسر المظلوم، وليس في جانب المنتصر الظالم!
كان لدى العشماوي قناعة بأن عبد الناصر سينتصر في حربه على الإخوان، كونه أصبح يمتلك القوة، وبات صاحب النفوذ والقرار، وقد صرخ بذلك لعبد الناصر في هذا الاجتماع.. ورغم ذلك، لم يتردد في أن يكون في صف الخاسر المظلوم، وليس في جانب المنتصر الظالم


ومن عجب، أن العشماوي نبَّه أو حذَّر عبد الحكيم عامر من مصيره الذي لاقاه على يد عبد الناصر بعد سنوات، في حضور عبد الناصر، وهذه هي "الغفلة" الحقيقية التي ظنها عامر "وفاءً" لعبد الناصر!

"إن جمالا يريد أن يكون دكتاتورا يأكل الجميع.. حتى أنت.. ومع ذلك أراك تعينه على ذلك.. سيكون مشروع دكتاتور فاشل".

وإليك (عزيزي القارئ) تفاصيل الجزء الثاني من هذا الاجتماع الخطير المثير.. وللتذكير، فإن هذا الاجتماع (وهو الأخير) قد تم في غرفة مكتب، في "مجلس قيادة الثورة"، في الجزيرة (وسط النيل)..

اليوم الرابع

ظهر يوم 15 أيار/ مايو سنة 1953

- حسن: أتسمع ردي الآن؟

- جمال: بل فكر وأجبني غدا أو بعد غد.

- حسن: إن ردي حاضر.. حاضر منذ وقت طويل.. فاسمعه الآن اختصارا للوقت.

- جمال: إن شئت..

- حسن (في هدوء): لقد عرفتك (يا جمال) عن طريق الإخوان.. ولولا هم ما عرفتك.. وأنت تنوي حربهم، وتستعين عليهم بكل وسيلة، تفرق بينهم، وتستعدي عليهم الناس والدول، وتستعمل أجهزتك في القضاء عليهم.. إن أغلب الظن عندي أنك ستنتصر عليهم.. ثم ها أنت تأتي لتعرض عليّ أن أتركهم وهم في محنة، لأعمل معك وأنت في السلطة.. هم في هبوط، وأنت في ارتفاع.. لا.. إن وفائي لهم ولمبادئي يمنعني من ذلك.. يمنعني من قبول عرضك.. وأنا على يقين أن لك عليهم النصر في هذه الجولة.. (يصمت).

- جمال (بعد لحظة): أتعلم يا حسن أني جاد في حربي للإخوان؟

- حسن: نعم.. أعلم.

- جمال: ومع ذلك تقول إنك ترفض عرضي وفاءً لهم.. ليس هذا بالوفاء.. إنه التهور والغفلة!

- حسن: لا تعنيني تسمياتك للأشياء.. فنحن مختلفان في التسميات عادة.. ولكن تعنيني الحقائق كما أراها.. العبرة بالمسميات لا بالأسماء يا جمال.. فما قد تسميه أنت غفلة لأنه يخالف المصلحة الشخصية، أسميه أنا وفاءً.

- جمال: فكر يا حسن ولا تتعجل الرد، فإني سأقضي على الإخوان.. لن أسمح للعُصاة بالبقاء.

- حسن: هل العُصاة عندك هم مَن يخالفونك الرأي أحيانا؟

جمال (في ضيق): نعم.

- حسن (في هدوء): اعتبرني من العُصاة إذن.. (يهم بالقيام) اسمح لي بالانصراف.. فقد انتهى حديثنا فيما أعتقد.

- جمال (ممسكا بذراع حسن ليجلس): بل ابق قليلا.. فعبد الحكيم قادم الآن.. أريد أن يعلم أني بذلت جهدي.

- حسن (في تعجب): عبد الحكيم؟ وهل يعلم عرضك عليّ؟

- جمال: طبعا.. وكان يريد أن يتولى هو العرض عليك.. ولكني آثرت أن أقوله شخصيا.. ومع ذلك فشلت بسبب غفلتك، وإصرارك على الوفاء لقوم لستَ منهم.

- حسن: هبني لستُ منهم في رأيك.. المهم قل لي.. هل من سبيل (لأجل هذا البلد) ننهي به الخصومة بينك وبين الإخوان دون صدام؟

- جمال: هذا يتوقف عليهم.. أما أنا فقد بذلت جهدي.. إنهم يعارضونني في كل شيء.. إنهم يعملون ضدي في كل مجال.. إنهم يفرضون عليّ وصاية لست على استعداد لقبولها.

- حسن: وتأييدهم الداخلي في أحرج المواقف.. هل نسيته؟

- جمال: لقد استفادوا هم منه أكثر مما استفدت أنا.

من عجب، أن العشماوي نبَّه أو حذَّر عبد الحكيم عامر من مصيره الذي لاقاه على يد عبد الناصر بعد سنوات، في حضور عبد الناصر، وهذه هي "الغفلة" الحقيقية التي ظنها عامر "وفاءً" لعبد الناصر
- حسن: وموقفهم في التفاهم مع الإنجليز؟ ألم يسند ظهرك في مفاوضاتك الجارية؟

- جمال: ذاك موقف استفدت منه وانتهى.. ولكنهم صاروا عصاة.. لا يجوز أن أتركهم كذلك.

- حسن (مقاطعا): أكُل من خالفك الرأيَ عاصٍ؟

- جمال (في تسرع): نعم.

- حسن: اللهم فاشهد أني من العُصاة في نظر جمال.. جمال رحِمَهُ الله.

- جمال (يكتم غيظه): هلا كنت معي أكثر رفقا؟

- حسن: وهل كنت أنت يوما رفيقا بأحد؟ جزى الله مكيافيللي وعبد الرحمن السندي بما يستحقان.. قد..

- جمال (مقاطعا في حدّة): لا تحدثني هكذا.. قد كنا أصدقاء.. وأنت اليوم تنفض يدك من صداقتي.

- حسن: الحمد لله أن قلتها أنت.

(صمت.. كلاهما مطرق.. يدخل عبد الحكيم)

- عبد الحكيم (يسأل ضاحكا): ما بكما؟ أراكما صامتين كمن يجلس في مأتم.. مأتم مَن يا ترى؟

(جمال وحسن ينظران إليه صامتين.. يقف حسن ليسلم، ويجلس ثانية)

- عبد الحكيم (مواصلا): ما بالكما.. أراكما صامتين كأسدي كوبري قصر النيل! (يأخذ صوته طابع الجد).. هل عرضت عليه ما اتفقنا عليه يا جمال؟

- جمال: عرضت عليه ورفض.. رفض بحجة الوفاء لمن كان السبب في تعارفنا، وكأنما ليس لمصلحة البلد وحب الوطن شأن في الأمر.

- حسن: دعك من الحديث عن الوطن وحبه.. فالكل يدَّعيه.

- عبد الحكيم: ولماذا رفضت يا حسن؟ لقد أردنا أن نبقيك بعيدا عن المعركة حتى تنتهي.. إنه أمر بسيط.

- حسن: قلت لكم مرارا أني لن أحاربكم بأية وسيلة غير مشروعة.. ولكن لي الحق في أن أقول رأيي وإن خالفكم.

- عبد الحكيم: أرجئ رأيك حتى ننتهي.

- حسن: لن أتخلى عن الدعوة التي عشت فيها.

- عبد الحكيم: احتفظ بها في قلبك حتى تنتهي الأمور.. هل هذا مطلب عسير؟

- جمال (متدخلا في الحديث): أرأيت يا عبد الحكيم كيف يسعى إلينا الكثير من الإخوان يحاولون إرضاءنا.. ونسعى نحن لإرضاء حسن.. ولكنه يرفض.. ماذا نفعل؟

- حسن: قل لي يا عبد الحكيم.. أنسيتم ما فعله لكم الإخوان.. لماذا حربهم؟ أما من سبيل إلى التفاهم؟

- عبد الحكيم: ما فعله الإخوان لمصلحتنا أمر تم وانتهى.. هكذا يرى جمال.. ونحن معه في ذلك.. حتى موقفكم من الإنجليز سنستفيد منه، ولكن لا يجوز أن يكون لأحد فضل غيرنا.. غير جمال أعني.. فهو يمثل نيابة عنا آمال مصر ومستقبلها.. إننا نريد بلدا موحد الكلمة وأنتم (أقصد الإخوان) لا تريدونها كذلك.. تعقَّل يا حسن، فأنت تعلم أننا ماضون في طريقنا، ولن تقف أمامنا عقبة.. فكن معنا.. لا تكن علينا.

- حسن: لن أكون عليكم.. ولن أكون معكم.. سأظل كما أنا وفيّا لدعوة آمنت بها.. واعلم أن رأيي لا يزال كما هو.. إن جمالا يريد أن يكون دكتاتورا يأكل الجميع.. حتى أنت.. ومع ذلك أراك تعينه على ذلك.. سيكون مشروع دكتاتور فاشل.

- جمال (يكظم غيظه): أسَمِعت؟ أسمعت؟

- عبد الحكيم (محاولا تهدئة الجو): لا.. لا.. لا تقل هذا يا حسن.. إنه مجرد انفعال مؤقت.. فكر في الأمر.. وقابلنا مرة أخرى.

- حسن: صوتُ سيِّده!

- جمال: أسمعت؟ أسمعت؟

- عبد الحكيم: أتحاول إغضابي أنا الآخر يا حسن؟ لا.. لن أغضب.. فكر في الأمر، وقابلنا مرة أخرى.. تعقَّل قبل أن تتخذ قرارا.

- حسن: لقد فكرت وقررت.. ولا أعتقد أني سأراكما بعد اليوم، إلا أن تطلباني أو يرسلني المستشار.. وأرجو ألا يفعل.. وما دام الأمر قد انتهى بيننا، فأرجو أن تستلما ما لكم من أسلحة ومتفجرات في العزبة [الأسلحة التي دفنها عبد الناصر بنفسه في عزبة حسن العشماوي، وكانت تستخدم في العمليات الفدائية ضد الاحتلال].. لم يعد لها محل الآن.. فهي لكم، لا يعلم بها حتى الإخوان.

- جمال: لا.. بل دعها عندك.. ليست لنا مئة مخزن مثل الذي عندك.. من يدري.. لعل الظروف تتغير فنحتاجها.

- حسن: أرجوك يا عبد الحكيم.. أرسل من يتسلمها، فأنا لا أريدها عندي.

- عبد الحكيم: لا داعي للعجلة.. سنفعل ذلك فيما بعد.. ولكن دعها عندك الآن.. أرجوك.

- حسن: إلى حين.. وأستودعكما الله.. وأسأله أن يهديكما الرشاد.. وأنا في انتظار من يتصل بي لاستلام ما عندي لكم من أسلحة..

(يخرج حسن عازما ألا يعود.. ينظر جمال وعبد الحكيم كل منهما إلى الآخر ويقول عبد الحكيم قبل أن يغادر حسن الغرفة)

- عبد الحكيم: خسارة هذا الشاب.. كنت أريده معنا.

- جمال: سنستفيد بذلك يوما.

(يُتبع)..

twitter.com/AAAzizMisr
aaaziz.com
التعليقات (0)