قضايا وآراء

سوريا الجريحة في أحضان السفاح!

أميرة أبو الفتوح
اختفت أخبار جرائم الأسد في سوريا منذ إعادته للجامعة- جيتي
اختفت أخبار جرائم الأسد في سوريا منذ إعادته للجامعة- جيتي
منذ أن أعادت جامعة إيدن، المسماة زوراً وبهتاناً جامعة الدول العربية، نظامَ سفاح سوريا إلى عضويتها، وجلس السفاح بشار مختالاً على المقعد الذي ظل معلقاً طيلة الأعوام الاثني عشر الماضية، وألقى خطبة إنشائية عصماء جوفاء يعلن فيها انتصاره على الشعب السوري الحر، ويتعالى على القمة بل ويوبخها مع بعض الدول العربية؛ حين تحدث عن انتقاله من حضن إلى حضن.. منذ ذلك اليوم اختفت تماماً أخبار جرائمه المستمرة على السوريين في المناطق المحررة وقصف طائراته التي لا تتوقف عليهم.

كما غابت أيضا أخبار المعارضة السورية من على كل شاشات الفضائيات العربية، فلماذا يُغضبون السفاح الذي طبّعوا العلاقات معه وهو المنتصر كما قال الأمين العام للجامعة "أحمد أبو الغيط": "الأسد قد انتصر على المعارضة"، حتى الدول التي اشترطت المصالحة والرجوع الآمن للمهاجرين السوريين، ولن أقول اللاجئين، لأنها تؤلمني كثيراً وتوجع قلبي، فعلى أرض سوريا الحبيبة قامت أقدم وأهم الحضارات على وجه المعمورة وكانت عاصمة الخلافة الأموية العظيمة التي أشرقت بنور الإسلام على العالم أجمع وأخرجته من الظلمات إلى النور.

لقد نسيت تلك الدول شروطها وبلعت ألسنتها وأغمضت أعينها عن جرائم السفاح، وهرولت إلى النظام القاتل كما هرول الأولون، الكل يسعى لأخذ نصيبه من الكعكة السورية التي ساهموا جميعاً في صُنعها على هذا الشكل التي عليه الآن!!

إنه من السخافة بل من السذاجة بمكان أن يردد بعض المحللين البلهاء أن السعودية أصرت على عودة النظام السوري إلى الجامعة واستضافة السفاح في قمة جدة، تحدياً للولايات المتحدة التي ترفض عودة النظام وتوقع عليه أشد العقوبات وتفرض عليه قانون قيصر!!

الحقيقة أن الولايات المتحدة هي من تحمي هذا النظام الوحشي، وما كان للسعودية أن تستضيف السفاح بشار على أرضها وما كان يجرؤ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يستقبله استقبال الفاتحين إلا بأوامر أمريكية صرفة، ولكنها لعبة توزيع الأدوار

بل الحقيقة أن الولايات المتحدة هي من تحمي هذا النظام الوحشي، وما كان للسعودية أن تستضيف السفاح بشار على أرضها وما كان يجرؤ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يستقبله استقبال الفاتحين إلا بأوامر أمريكية صرفة، ولكنها لعبة توزيع الأدوار التي تجيدها أمريكا وكل الدول الاستعمارية..

لقد كافأت السفاح الذي قتل شعبه بالبراميل المتفجرة والعناقيد الفسفورية (أكثر من مليون شهيد طيلة الثورة السورية)، إضافة لتهجيره قسراً لأكثر من نصف السوريين في بقاع الأرض هائمين على وجوههم في الشتات، وملأ سجونه بعشرات الآلاف من شعبه يلاقون أبشع أنواع التعذيب والهوان، وحطم المدن وحرق الأخضر واليابس، وهدم الأبنية على رؤوس ساكنيها، ودمر أكثر من 70 في المئة من البنى التحتية، وفتح أبواب سوريا على مصراعيها للغزو الروسي والإيراني ليقتلا ما تبّقى من الشعب السوري بالطائرات والصواريخ المحملة بالقنابل الفوسفورية!!

ومن ضمن توزيع الأدوار أيضا وتكملة للمسرحية المأساوية التي تجري على أرض سوريا منذ اثني عشر عاماً، ما حدث في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن الأسبوع الماضي، والتي اتهم فيها المندوب الروسي في الأمم المتحدة "فاسبلي نيبينزيا"، الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل على إنشاء "جيش سوريا الحر" في محافظة الرقة بمشاركة عناصر من داعش لاستخدامهم ضد النظام السوري، دون أن يقدم أدلة دامغة تؤكد اتهامه، ونسي أو تناسى سيادته أن روسيا استعانت بمليشيا "فاغنر"، لتقوم بالأعمال القذرة في سوريا وارتكاب أبشع المجازر بالسوريين على أرضها، كما تناسى مندوب المجرم بوتين أن روسيا قامت أيضا بتشكيل مليشيا الفيلق الخامس لمواجهة المعارضة السورية، ولم يذكر ما فعلته حليفته وشريكته في تدمير واحتلال سوريا، إيران، وجرائم الحرس الثوري الإيراني في حق الشعب السوري، واستقدامها مليشيات شيعية من كل من لبنان والعراق وباكستان أفغانستان لقتال السوريين في أرضهم؛ التي اتبع فيها رئيسه المجرم سياسة الأرض المحروقة والتي سبق وأن اتبعها في الشيشان! مع العلم أيضا أن روسيا دخلت سوريا بموافقة الولايات المتحدة، وإلا لما جرؤ بوتين أن تطأ قدماه أرض سوريا..

عندما حدثت ثورات الربيع العربي عام 2011، أحدثت زلزالاً رهيبا في العالم العربي، أفقد الحكام الطغاة توازنهم، فمنهم مَن سقط مثل حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس ومعمر القذافي في ليبيا وعلي عبد الله صالح في اليمن، ومنهم من انتظر وهو يرتجف خوفاً ورعباً كسفاح سوريا بشار الأسد الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط لولا التدخل الروسي الذي أنقذه من السقوط، مُفضلاً سقوط سوريا تحت براثن الاحتلال الروسي والبقاء كخيال مآتة جالساً على تلتها وركامها وحطامها، على أن يلحق بسابقيه من الطغاة!!

ليس سفاح سوريا هو فقط الذي كان يرتعش، بل ارتعش معه كل الملوك وأمراء باقي الدول العربية، وخشوا أن تصيب شعوبهم عدوى الحرية والكرامة والديمقراطية وتهب عليهم رياح التغيير

ليس سفاح سوريا هو فقط الذي كان يرتعش، بل ارتعش معه كل الملوك وأمراء باقي الدول العربية، وخشوا أن تصيب شعوبهم عدوى الحرية والكرامة والديمقراطية وتهب عليهم رياح التغيير؛ فتقصف بعروشهم وتطيح بهم جميعاً، فسرعان ما تحالفوا مع الكيان الصهيوني الذي انزعج أيضا من تلك الثورات العربية وخاصة في بلاد الطوق، حراس حدوده، فلم يُخف نتنياهو ولو لمرة عابرة أو خاطفة رغبته في إبقاء نظام بشار على رأس السلطة في سوريا، فقد سبق أن سلّم الأب (السفاح الكبير) حافظ الأسد القنيطرة وباع الجولان للكيان الصهيوني عام 1967.

وبالمناسبة، لقد مرت منذ أيام ثلاثة وعشرون عاماً على موته وتوريث السلطة لابنه الذي يسير على درب أبيه السفاح الكبير الذي ارتكب جرائم إبادة جماعية في حماة، وأرهب ونهب وقمع وسحق حقوق جل السوريين. فالخيانة متأصلة في دمائهم، فها هو السفاح الصغير يحافظ على الكيان الصهيوني المغتصب، ولم يطلق رصاصة واحدة تجاهه طيلة كل هذه السنوات الطوال كما فعل والده، ولهذا وضع الكيان الصهيوني فيتو على رحيله!

لقد كوّنوا مركزاً في دولة الإمارات يديره الموساد الصهيوني، تنطلق منه الثورات المضادة في كل الدول التي شهدت الربيع العربي، ليحوّلوه إلى خريف دامٍ وخاصة في سوريا وليبيا واليمن، ليُرهبوا كل من تسول له نفسه القيام بمظاهرة أو مجرد التفكير بها للمطالبة بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم!

كانت الثورة السورية ثورة فاضحة، كشفت غدر وخيانة ذوي القربى وأبناء جلدتها، ولكن القصة لم تكتمل بعد ولم توضع نهاية لها، فالثورات كالحروب؛ لها جولات وصولات ومعارك إلى أن تدق ساعة الحسم، ويسدل الستار. فلا يغرنكم استمرار السفاح بشار في مكانه حتى الآن والاحتفاء الزائف به، فلا تزال جذوة الثورة موقدة في صدر ووجدان كل سوري حر

لقد وقفت أمريكا والكيان الصهيوني ومعهما السعودية والإمارات ضد الثورة السورية، أعظم الثورات العربية على الإطلاق، فلم يحدث في التاريخ أن قدم شعب من تضحيات ما قدمه الشعب السوري خلال ثورته التي تكالب عليها الجميع، القريب قبل البعيد، لإجهاضها والانقضاض عليها.. كل ضباع الأرض نهشت في جسدها الجريح ليقتطع كل ما استطاع لنفسه، ويفوز به ويفر بغنيمته، تاركا إياها غارقة في دمائها!

الثورة السورية المظلومة تخلى عنها كل من كانوا يسمون أنفسهم "أصدقاء سوريا"، وذهبوا لنيل نصيبهم من الغنيمة.. ليت السوريين ظلوا على عهدهم مع الله يرددون ما قالوه في البداية: "ما لنا غيرك يا الله"، ولم يسلموا أنفسهم لدول ادعت مناصرتهم، ودعمتهم بالمال والسلاح حتى أصبحوا أسرى لها ينفذون أوامرها، ولكنها خانتهم وأوقفت انتصاراتهم المظفرة لحسابات خاصة وإقليمية، كما حدث في درعا وحلب وحمص وحماة!!

كانت الثورة السورية ثورة فاضحة، كشفت غدر وخيانة ذوي القربى وأبناء جلدتها، ولكن القصة لم تكتمل بعد ولم توضع نهاية لها، فالثورات كالحروب؛ لها جولات وصولات ومعارك إلى أن تدق ساعة الحسم، ويسدل الستار. فلا يغرنكم استمرار السفاح بشار في مكانه حتى الآن والاحتفاء الزائف به، فلا تزال جذوة الثورة موقدة في صدر ووجدان كل سوري حر في انتظار لحظة إشعالها على الأرض، وإن غداً لناظره قريب إن شاء الله..

twitter.com/amiraaboelfetou
التعليقات (1)
علي عبدو
الخميس، 15-06-2023 04:22 ص
الله يبارك فيك يا أميرة وشكراً الك