قضايا وآراء

أوكرانيا بين تخاذل الناتو وإجرام بوتين

محمود النجار
1300x600
1300x600
لا أحد فيهم بريء، لا الناتو ولا روسيا ولا أوكرانيا..

الناتو ورط أوكرانيا، وأشبعها وعودا كاذبة، ثم تخلى عنها بمنتهى الجبن والخسة وانعدام المسؤولية، مع أن سبب حُنق روسيا على أوكرانيا انحيازها للغرب ورغبتها بالانضمام للناتو، ومع ذلك تخلى عنها الأخير بكل بساطة، واكتفى بمنحها بعض الأسلحة الدفاعية وقال لها: دونك روسيا.. والناتو يعلم أن إمكانيات أوكرانيا لا تؤهلها لمواجهة روسيا وأنها ستسقط بالضرورة في يد الروس، وأن الأسلحة الدفاعية التي مُنحت لها لن تغير كثيرا في معادلة الحرب مع قوة عظمى متغطرسة كروسيا.

لم يقم الناتو بواجبه في حماية أوكرانيا، وليس هذا وحسب، بل أعلن أكثر من مرة على لسان بايدن رئيس الولايات المتحدة أن الناتو لن يتدخل عسكريا في حال اجتاحت روسيا أوكرانيا، وربما لو أحس بوتين بإمكانية تدخل الناتو لما أقدم على ما أقدم عليه.. وما كان يمكن أن يقوم به الناتو كثير، فلو قامت دول الحلف جميعا بطرد سفراء روسيا من دولهم لاهتز عرش بوتين، ولو قامت - منذ اللحظة الأولى التي أحست فيها بمكر روسيا لأوكرانيا - بضم الأخيرة للحلف وأدخلت قوات عسكرية إليها، وزودتها بالأسلحة الثقيلة والطائرات والخبراء، لما تجرأت روسيا على غزوها..
صرح بايدن وزعماء أوروبيون آخرون بأن الروس سيهاجمون أوكرانيا، وأن التحركات التي كانت ترصدها الأقمار الصناعية الأمريكية للجيش الروسي هي تحركات قوات تستعد للغزو؛ فما الذي فعله الناتو؟ وإلى أين أوصل أوكرانيا، وهو يعرف أنها في انتظار الاجتياح الروسي؟

تعلم الولايات المتحدة تماما أن المعدات العسكرية الصدئة التي بحوزة الجيش الأوكراني غير قادرة على صد العدوان الروسي بحال من الأحوال، وتعلم يقينا أن الغزو الروسي كان على الأبواب، وقد صرح بايدن وزعماء أوروبيون آخرون بأن الروس سيهاجمون أوكرانيا، وأن التحركات التي كانت ترصدها الأقمار الصناعية الأمريكية للجيش الروسي هي تحركات قوات تستعد للغزو؛ فما الذي فعله الناتو؟ وإلى أين أوصل أوكرانيا، وهو يعرف أنها في انتظار الاجتياح الروسي؟

لقد ورطت الولايات المتحدة ومن ورائها حلف الناتو أوكرانيا، وقدمتها على طبق من ذهب لروسيا، وقد كان رئيس أوكرانيا يظن أن بلاده في حماية أوروبا، وأنهم لن يسلِموه لروسيا بسهولة، كما ظن بعضنا.. ففي حين قامت روسيا بالاعتراف بالمقاطعتين الانفصاليتين (لوغانسك ودونيتسك) جمهوريتين مستقلتين، فحققت بذلك مصالح لوجستية في معركتها مع أوكرانيا، وشكل ذلك ضربة قاسية للناتو ومثل تحديا كبيرا للحلف، تقاعس الناتو عن ضم أوكرانيا للحلف وتأمين الحماية لها.

ولم تكن روسيا أفضل من دول الناتو، فهي بما قامت به من اجتياح فيه الكثير من التهور والعدوانية والبجاحة القائمة على استعراض القوة وترويع المدنيين، وعدم احترام حقوق الإنسان والتغول على المواثيق الدولية. وفي أثناء كتابة هذا المقال ننتظر دخول القوات الروسية للعاصمة كييف، فهي الآن على أبواب المدينة. وتطالب الجيش الأوكراني بالاستيلاء على السلطة، وربما تنجح في مسعاها بعد أن تحكم السيطرة على العاصمة؛ بما يعني سقوط الدولة.

الغزو الروسي لأوكرانيا يشير بوضوح إلى شخصية بوتين المخادعة أكثر من إشارته إلى موقف الشعب الروسي الذي خرج إلى الشوارع في عدد من المدن، منددا بالحرب، ومناديا بوقفها، وقامت قوات الأمن الروسي باعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين ربما تزيد عن ألفي معتقل.

لقد وصف أحد القادة الغربيين بوتين بأنه ذكي وماكر وغير أخلاقي، والحقيقة أنه كان دقيقا في وصفه، فهو ذكي كذئب وماكر كثعلب وبلا أخلاق كضبع، لا يعرف للرحمة سبيلا، وما جرائمه في سوريا عنا ببعيد؛ فقد حمى النظام السوري الغاشم من السقوط، وتسبب بمقتل مئات الآلاف من السوريين وتشريد الملايين واعتقال مئات الآلاف.. يقول رئيس قسم مكافحة التجسس في الاتحاد السوفييتي السابق (أوليغ كالوغين مدير بوتين في الكي جي بي): سئل يلتسين (الرئيس السابق لروسيا) عن أكبر أخطائه فقال: "الحرب في الشيشان واختيار بوتين خليفة لي". وقال كالوغين: "بوتين قاد البلاد بعقلية الكي جى بي التقليدية"، وأضاف: "بوتين يريد أن يظهر بمظهر الرجل الذي استعاد مكانة البلاد العظيمة، ليس بالأيدلوجية الشيوعية، بل عن طريق ترسيخ فكرة روسيا العظمى، تماما كما حدث في ألمانيا زمن هتلر"..!!
على صعيد الداخل الروسي؛ فقد تسببت إجراءاته العسكرية في تدمير الاقتصاد الروسي بسبب عناده وإصراره على غزو أوكرانيا، وهو ما سيضعف موقفه أمام شعبه، وقد تستمر التظاهرات، فيقمعها بشدة، وربما يسقطه غضب الشعب وينهي حياته السياسية في حال ساءت الأوضاع الاقتصادية جراء الإجراءات العقابية التي فرضتها دول الناتو على روسيا

وعلى صعيد الداخل الروسي؛ فقد تسببت إجراءاته العسكرية في تدمير الاقتصاد الروسي بسبب عناده وإصراره على غزو أوكرانيا، وهو ما سيضعف موقفه أمام شعبه، وقد تستمر التظاهرات، فيقمعها بشدة، وربما يسقطه غضب الشعب وينهي حياته السياسية في حال ساءت الأوضاع الاقتصادية جراء الإجراءات العقابية التي فرضتها دول الناتو على روسيا، مما سيهدد الاقتصاد الروسي ويصيبه في مقتل، وهو ما سيؤثر بالغا على معيشة الشعب الروسي، بعد أن بدأ يشتم رائحة شيء من الرفاه بالمقارنة مع العهد السوفييتي السابق.

لقد مارس بوتين الكذب والتضليل الإعلامي فيما قبل الغزو، وما زال، وهو أسلوب رجل مخابرات أكثر منه أسلوب رئيس دولة، وقد اكتسب بوتين هذا الأسلوب من عمله في المخابرات الروسية، حيث كان ثمة وكالات إعلامية موجهة من الكي جي بي مختصة بالتضليل الإعلامي وحرف الرأي العام عن معرفة الحقيقة، والتأثير على شعوب الدول الحليفة، وتضليل الشعوب في الدول المعادية.

أما أوكرانيا، فقد كانت من السذاجة بحيث كان المراقب يحس برغبتها في نشوب الحرب، حيث تصريحات رئيسها المتحدية تبعث على الاستغراب، فقد بدا كأنه يمتلك قوة خارقة لمواجهة روسيا.. وربما كان مصدر هذه الثقة ظنه بأن حلف الناتو لن يتخلى عنه، وربما تلقى تطمينات من بعض دول الحلف في أوقات سابقة، جعلته يظهر رجلا قويا متحديا مطمئنا، إلا أنه كان تحت تأثير أوهام وأحلام، ولم يزل يظهر في الإعلام وهو يتوعد العدو، ويطالب الشعب بالمقاومة، ويبشر بالنصر..!
الهزيمة التي لحقت بأوكرانيا، هي في الحقيقة هزيمة كبرى لضمير العالم الحر، وهزيمة كبرى لحلف الناتو، ومؤشر قوي على هشاشته، وانهيار قوة الردع التي يدعيها دائما

لكن الحقيقة أن الرئيس الأوكراني يتألم ويحس بالحسرة من غزو بلاده وتخلي الولايات المتحدة وأوروبا عنه، وبات يشعر بأنه وحيد في مقاومة الغزو الروسي، لكنه لم يحسّ بالاحتلال الصهيوني لفلسطين وقهره للشعب الفلسطيني، فقد كان موقفه إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة يبعث على السخرية حيث قال: "سماء إسرائيل مليئة بالصواريخ، وبعض المدن مشتعلة، والعديد من القتلى والجرحى.. لا يمكننا أن ننظر بدون حزن ورحمة، من الضروري وقف التصعيد فورا"، ولم يحزنه وضع أبناء قطاع غزة؛ فلم يأت على ذكر ما سقط على رؤوس أبناء القطاع من صواريخ وقذائف تسببت في مقتل مئات الشهداء وأضعافهم من الجرحى، وتدمير البنية التحتية للقطاع.
 
وفي المحصلة، فإن الهزيمة التي لحقت بأوكرانيا، هي في الحقيقة هزيمة كبرى لضمير العالم الحر، وهزيمة كبرى لحلف الناتو، ومؤشر قوي على هشاشته، وانهيار قوة الردع التي يدعيها دائما؛ فقد أهانتهم روسيا ومرغت جبينهم بالتراب، لكن الأخيرة خسرت معركة الاقتصاد. وقديما قال ماركس: "السياسة شكل مكثف للاقتصاد"..
التعليقات (4)
مغربي
الثلاثاء، 01-03-2022 12:42 م
مقال في المستوى وتحليل في محله تحياتي للكاتب القدير محمود النجار
بسام المعلواني
الأحد، 27-02-2022 10:49 م
تحليلك في غاية الدقة لما يجري في أوكرانيا لكن ياأخي الكريم لماذا لا تقول أن مايجري كله بترتيب من الله وكما تدين تدان وتلك الأيام نداولها بين الناس
إيهاب الاغا
الأحد، 27-02-2022 07:55 م
تحليل اكثر من رائع كافي وافي اتمنى ان تنتهى على خير رغم كل ما مررنا به من مآسي وحروب لكننا نحب الخير والسلامة لكل شعوب الارض
سمية عوني
الأحد، 27-02-2022 07:17 م
بعضهم من بعض. لكننا في كل الأحوال لا نحب الموت لأحد و لا نحب أن نرى إنسانا يعاني فمن حق أي إنسان أن يعيش بكرامته حرا عزيزا في وطن أينما كان و في كل زمان و مكان