قضايا وآراء

تسليع الخدمات الصحية نتيجة لنقص الإنفاق الصحي في مصر

مصطفى جاويش
1300x600
1300x600
موازنة الصحة بها زيادة ظاهرية ولكنها تحمل مخالفة صريحة للدستور:

موجة عارمة من الصخب الإعلامي صاحبت إقرار الموازنة المالية للصحة؛ بزعم أنها تفوق الاستحقاقات الدستورية، وتسمح بضخ 275.6 مليار جنيه مصري لتمويل قطاعات الصحة في مصر للعام المالي 2021/2022.

وكانت المغالطة صريحة والتدليس واضحا في التوصيف وفي الأرقام وفي المعدلات، حيث تبين أن وزير المالية يقصد إجمالي مخصصات القطاعات الصحية، وتشمل وزارة الصحة، ومستشفيات الجيش والشرطة والهيئات العامة، وهيئة المياه والصرف الصحي، بالإضافة الى نسبة ما يخص الصحة من خدمات الدين العام والقروض.
كانت المغالطة صريحة والتدليس واضحا في التوصيف وفي الأرقام وفي المعدلات، حيث تبين أن وزير المالية يقصد إجمالي مخصصات القطاعات الصحية، وتشمل وزارة الصحة، ومستشفيات الجيش والشرطة والهيئات العامة، وهيئة المياه والصرف الصحي، بالإضافة الى نسبة ما يخص الصحة من خدمات الدين العام والقروض

ومن ناحية الأرقام فقد كان يقصد ما ورد في المادة 18 من دستور 2014 بتوفير نسبة 3 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لموازنة الصحة، ولكنه أهمل عن قصد واضح أن يستكمل ما تنص عليه المادة 18 من ضرورة "زيادة تلك النسبة سنويا لتصل إلى النسبة العالمية"، وهي 9.1 في المئة في المتوسط بحسب توصيات منظمة الصحة العالمية، خاصة وقد مضت سبع سنوات على هذا الدستور المشار إليه.

وبدأت المخصصات الحقيقية لوزارة الصحة تتضح من خلال تصريحات رسمية أخرى، وتبين أنها في حدود 108 مليارات جنيه فقط، وبنسبة أقل من 1.5  في المئة من إجمالي الناتج المحلي، والذي يبلغ 6.4 تريليون جنيه حسب تصريحات وزير المالية، أي أن النسبة الحقيقية لموازنة وزارة الصحة تعتبر أقل من نصف المستحقات الدستورية لعام 2014، ومتدنية جدا مقارنة بالنسبة العالمية وهي 9.1  في المئة، وهذا يعني المخالفة الصريحة لمواد الدستور، وبالتالي عدم القدرة على تقديم خدمات الرعاية الصحية الحكومية بجودة مناسبة، وزيادة الاعتماد على شراء خدمات القطاع الخاص الطبي لتلبية الاحتياجات الصحية للمواطنين.

"تسليع الصحة" يعنى تحويلها لسلعة تخضع لقواعد العرض والطلب:

تدني نسبة الإنفاق الحكومي على الصحة في مصر أدى إلى اتساع الفجوة بين الإتاحة والاحتياج.. وأبرز مفهوماً جديداً كارثيا هو مفهوم "تسليع الصحة"، بمعنى تحويلها إلى سلعة تخضع لقواعد العرض والطلب.. وتخرج الأمر كله من خانة التنافسية في جودة الخدمة إلى خانة الحصول على أكبر ربح ممكن من كل مريض. وهو أمر خطير جدا، ويؤدى إلى تشوهات بالغة الخطورة في البنية الصحية المجتمعية.

وكانت شركة استثمارات شهيرة تدعى "جونز لانج لا سال" (Jones Lang LaSalle- JLL)، وهي شركة دولية مقرها الإقليمي في الإمارات، قد أصدرت تقريرا منذ ثلاث سنوات، أشار إلى أن القطاع الخاص الطبي في مصر قد أصبح يستحوذ على ٧٣ في المئة تقريباً من المستشفيات والمراكز الطبية وأنه يتركز جغرافياً في العاصمة، بنسبة تقارب الـ٨٠ في المئة.. بالإضافة إلى انتشار قليل في بعض المدن القريبة منها. وهذا يعني وجود قصور شديد في الرعاية الصحية الحكومية بالإضافة إلى عدم وجود عدالة في تقديم الخدمة الصحية؛ لأن المستثمر يسعى للربحية ويختار الأماكن التي تحقق له مكاسب سريعة ومضمونة، بغض النظر عن الاحتياجات الملحة والعاجلة لجميع الأماكن جغرافيا.
تدني نسبة الإنفاق الحكومي على الصحة في مصر أدى إلى اتساع الفجوة بين الإتاحة والاحتياج.. وأبرز مفهوماً جديداً كارثيا هو مفهوم "تسليع الصحة"، بمعنى تحويلها إلى سلعة تخضع لقواعد العرض والطلب

ومن الموثق إحصائيا أن عدد المستشفيات الخاصة يبلغ 1157 مستشفى، مقابل 691 مستشفى حكوميا فقط. وكانت تقارير منظمة الصحة العالمية قد أوضحت أن ثلثي الإنفاق الصحي في مصر مصدره هو مدخرات المواطنين، في حين يغطي الإنفاق الحكومي نسبة لا تتجاوز الثلث فقط من إجمالي الإنفاق الصحي. وزاد فيها أن أعلنت الحكومة عن تفعيل قانون الشراكة مع القطاع الخاص (Privet Public Partnership- PPP)، والذي صدر في 23 كانون الثاني/ يناير 2011 ودمجها في منظومة التأمين الصحي الشامل الجديدة، ليتم الاستحواذ على جميع خدمات الرعاية الصحية، وقد يصل إلى مرحلة الخصخصة وما يتبعها بالضرورة من زيادة أعباء الانفاق الصحي الذاتي من المواطنين على أنفسهم وذويهم.

تسليع خدمات التأمين الصحي الجديد:

وفي خطوة نحو "تسليع" خدمات التأمين الصحي الجديد، فقد أعلن المستشار الاقتصادي لهيئة الرعاية الصحية يوم 9 أيلول/ سبتمبر 2020 عن مشروع تعديل قانون التأمين الصحي رقم 2 لسنة 2018، بحيث يسمح بإدخال خدمات صحية جديدة مثل العلاج الفندقي والسياحة العلاجية ضمن منظومة التأمين الصحي، وذلك لضمان التمويل الذاتي، ونظرا لأنها خدمات استثمارية فإن هذا يعنى ببساطة تحويل الهيئة من مؤسسة خدمية غير ربحية إلى منظومة اقتصادية تهدف للربحية، حيث أشار في تصريحاته إلى تحويل المستشفيات إلى حجرات فندقية يعطى المواطن ميزة اختيار الأفضل على أن يدفع فرق سعر الخدمات، وتلك أعباء مالية إضافية يتحملها المريض.
نظرا لأنها خدمات استثمارية فإن هذا يعنى ببساطة تحويل الهيئة من مؤسسة خدمية غير ربحية إلى منظومة اقتصادية تهدف للربحية، حيث أشار في تصريحاته إلى تحويل المستشفيات إلى حجرات فندقية

ونص قانون التأمين الصحي الشامل على تشكيل ثلاث هيئات؛ هي هيئة التأمين الصحي الشامل وهيئة الرعاية الصحية وهيئة الاعتماد والرقابة.

ووفقاً للقانون، تتولى هيئة الرعاية تقديم خدمات الرعاية الصحية والعلاجية بمستوياتها الثلاثة داخل أو خارج المستشفيات لجميع المؤمن عليهم داخل مصر، من خلال منافذ تقديم الخدمة التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي القائمة في تاريخ العمل بهذا القانون والجهات التابعة لوزارة الصحة التي يتم ضمها تدريجياً للنظام بعد تأهيلها، طبقا لمعايير الجودة والاعتماد التي تحددها هيئة الاعتماد والرقابة. ويصدر بضم هذه المستشفيات للنظام قرار من رئيس مجلس الوزراء.

ويجوز تقديم الخدمة من خلال أي من المستشفيات الخاصة بعد تأهيلها وفقا للمعايير المشار إليها والمعايير التي تحددها هيئة الرعاية. ووعدت الحكومة بمشاركة القطاع الخاص في منظومة التأمين الصحي الشامل، وتعمل على تعديل القانون للسماح بدور أكبر له في المنظومة.

تسليع خدمات بنوك نقل الدم:

وافق مجلس النواب المصري يوم الثاني من آذار/ مارس الماضي بصفة نهائية على مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن "تنظيم عمليات تجميع بلازما الدم لتصنيع مشتقاتها وتصديرها"، والهادف إلى جمع وتوزيع الدم ومركباته بغرض التصنيع في مصر، وتصدير بلازما الدم كمادة خام بغرض بيعها في الأسواق العالمية، بناءً على توجيهات رئاسية.
حقيقة الوضع الصحي المتردي ومعاناة المواطنين تبدو واضحة المعالم، لأن المبادرات القائمة على القروض والتبرعات تظل عاجزة عن ضمان استمرارية وشمولية وعدالة الخدمات الصحية، طالما أنه يتم وضع الإنفاق الصحي الحكومي في ذيل قائمة أولويات الدولة

شمل القانون عددا من المواد الكارثية، منها أن يلتزم مركز تجميع بلازما الدم بمنح المتبرع عِوضاً يتناسب مع نفقات الانتقال ومقابل التغذية، وأي نفقات أخرى يتحملها المتبرع في سبيل تبرعه. وتحدد اللائحة التنفيذية قواعد احتساب "العِوض"، وتلك الصيغة المبهمة جاء تفسيرها واضحا ومحددا وصريحا على لسان وزيرة الصحة، والتي أعلنت عن إعداد بطاقة للمتبرع يتم بها صرف مستحقاته بصورة مجمعة كل فترة، بما يؤكد على أنها عملية شراء سلعة من بائع يأخذ عِوضا عن سلعته التي يعرضها للبيع. وتم استخدام مصطلح "المتبرع المنتظم"؛ وهو كل متطوع للتبرع بالبلازما بشكل منتظم طبقاً للقواعد الطبیة، يعني بوضوح أنه "بائع للبلازما براتب منتظم"، أو بمعنى آخر فقد تم تسليع خدمات بنوك نقل الدم.

وبالرغم من الدعايات الرسمية المستمرة حول توسيع دائرة الخدمات الصحية من خلال "المبادرات الرئاسية" والتبرعات المجتمعية، فإن حقيقة الوضع الصحي المتردي ومعاناة المواطنين تبدو واضحة المعالم، لأن المبادرات القائمة على القروض والتبرعات تظل عاجزة عن ضمان استمرارية وشمولية وعدالة الخدمات الصحية، طالما أنه يتم وضع الإنفاق الصحي الحكومي في ذيل قائمة أولويات الدولة، في حين يتم إصدار القوانين والتشريعات الهادفة إلى تسليع الخدمات الصحية، مما يزيد من العبء المادي والمعنوي على كاهل المواطنين.
التعليقات (0)