قضايا وآراء

من القدس إلى جورج فلويد.. مع التحية

هاني بشر
1300x600
1300x600
لم يدُر في عقل الشابة المقدسية منى الكرد في آذار/ مارس الماضي أن تطبيق كلوب هاوس الجديد يمكن أن يحدث فارقا في قضية بيتها الذي يحتله مستوطن قادم من الولايات المتحدة. كنت أشاهد بعض الغرف صغيرة العدد وهي تناقش المسألة مع بدء انتشار التطبيق الصوتي الشهير، وسرعان ما انتقل الأمر إلى تويتر عبر هاشتاج "أنقذوا الشيخ جراح". تزامن هذا مع مسيرة المستوطنين الشهيرة التي كانت مقررة في 28 رمضان الماضي، وبقية الأحداث معروفة. وفجأة خرجت علينا فيديوهات المستوطن يعقوب وهو يتحدث بصفاقة عن سرقته لبيت الكرد.

الاستيطان والتهجير والغطرسة الإسرائيلية ليست جديدة، لكن ثمة زمن آخر وأدوات أخرى جديدة؛ أهمها هو التماس التاريخي الذي حدث بين العالم العربي وحركة حياة السود مهمة عبر نقطة اللقاء في قضية الفلسطينية العادلة، فهناك ما يشبه المغناطيس يجلب القضايا العادلة في العالم لبعضها البعض.
الذي حدث أن حركة الحقوق المدنية في نسختها الحديثة التي أطلقتها حادثة مقتل الشاب الأسود جورج فلويد؛ تسلمت راية القضية الفلسطينية في لحظة لقاء تاريخي ساهم فيه شباب مثل منى الكرد وآلاء حمدان وغيرهما، عبر منصات مثل إنستغرام

الرأي العام الأمريكي لم يفق فجأة ليكتشف أن هناك ظلما يقع برعاية أمريكية في فلسطين، ولكن الذي حدث أن حركة الحقوق المدنية في نسختها الحديثة التي أطلقتها حادثة مقتل الشاب الأسود جورج فلويد؛ تسلمت راية القضية الفلسطينية في لحظة لقاء تاريخي ساهم فيه شباب مثل منى الكرد وآلاء حمدان وغيرهما، عبر منصات مثل إنستغرام.

المسألة أعمق مما نتصور وربما تحتاج لمقالات أخرى، فنحن لسنا أمام تجربة فيسبوك قبل عشر سنوات. نحن أمام مؤثرين عرب وغربيين يتابعهم الملايين؛ يكفي أن يشارك بعضهم من ذوي المتابعين ما بين 10 إلى 70 مليونا لتصل رسالتك إلى الملايين حول العالم، عبر آليات البث الحي ونشر الفيديوهات وتنسيق التحركات وغيرها من الأدوات.

ليس هناك شرح كاف في وسائل الإعلام العربية عن مدى عمق التأثير الذي أحدثته ولا تزال تحدثه حركة حياة السود مهمة على المستويين الأوروبي والأمريكي. الأمر أعمق من مجرد مظاهرات ضخمة هنا وهناك، فنحن أمام حركة مراجعة كبرى تجاه السياسات الغربية تجاه قضايا السود والعنصرية بشكل جذري بسبب الضغوط الكبيرة التي أحدثتها الحركة ولا تزال تتفاعل حتى اللحظة، وهذه السياسات تشمل ما هو سياسي واجتماعي وإعلامي وعلى صعد كثيرة. فمثلا، كثير من المسؤولين استقالوا في الشهور الأخيرة في مختلف الدول بسب تعليقات وصفت بالعنصرية، أو التي تنكر التمييز الذي يتعرض له السود.
الأمر أعمق من مجرد مظاهرات ضخمة هنا وهناك، فنحن أمام حركة مراجعة كبرى تجاه السياسات الغربية تجاه قضايا السود والعنصرية بشكل جذري بسبب الضغوط الكبيرة التي أحدثتها الحركة ولا تزال تتفاعل حتى اللحظة، وهذه السياسات تشمل ما هو سياسي واجتماعي وإعلامي وعلى صعد كثيرة

لقد تأثرت القضية الفلسطينية باللحظات التاريخية التي مرت بها خلال العقود الماضية منذ النكبة وحتى الآن. فلا يمكن فصل النضال الفلسطيني عن المد اليساري والاشتراكي في حقبتي الخمسينيات والستينيات، ولا يمكن فصله أيضا عن المد الإسلامي في أواخر السبعينيات والثمانينيات. فكل حقبة كانت تفرز رموزها وخطابها وتجدد شباب القضية الفلسطينية وتضخ فيها دماء جديدة، حتى إن تأسيس حركات مثل فتح وحماس والجهاد الإسلامي وغيرها؛ ليس سوى استجابة لهذه التغيرات التي مرت بها القضية الفلسطينية في التفاعل مع الموجات العالمية للنضال من أجل العدالة عبر فترات زمانية مختلفة.

اليوم تكتسي القضية الفلسطينية حُلة جديدة تعبر فيها من القدس إلى ولاية مينيسوتا عبر جسر الضحية جورج فلويد، وتتوحد مع قضايا حركة حياة السود مهمة وتصل إلى لندن وباريس. يصدح الهتاف في المسجد الأقصى فتستجيب شوارع نيويورك وواشنطن قبل دمشق والقاهرة، فيضطر المطبعون الجدد للتواري خجلا أمام المد الهادر في كل مكان. ولا يطلب أحد من الفلسطيني أن ينحي انتماءه الديني أو القومي أو الفكري جانبا، فلم تعد هذه الانتماءات عوائق أمام نصرة المظلوم، ولم تعد الأيديولوجيا شرطا للتضامن كما حدث في عهود سابقة.

twitter.com/hanybeshr
التعليقات (0)