قضايا وآراء

وزيرة الصحة المصرية وتوزيع صكوك الشهداء!!

مصطفى جاويش
1300x600
1300x600
أعلنت وزيرة الصحة المصرية أن ضحايا كورونا من الأطباء وباقي أعضاء الأطقم الطبية ليسوا جميعا من الشهداء، ولكن الشهداء هم من ماتوا بسبب العدوى داخل "مستشفيات العزل" الخاصة بمصابي كورونا المستجد فقط، وأن باقي الموتى يتم إدراجهم تحت مسمى "العدوى المجتمعية بالفيروس". جاء ذلك في مؤتمر صحفي بمقر الوزارة بوسط القاهرة يوم السبت 24 نيسان/ أبريل 2021، مما أثار الكثير من ردود الفعل الغاضبة في المجتمع الطبي كله.

تصريحات الوزيرة تحمل الكثير من المغالطات الطبية والمهنية والإدارية والإنسانية والأخلاقية. ففي بيان إعلان الجائحة يوم 11 آذار/ مارس 2020؛ قامت منظمة الصحة العالمية بالتوصية بضرورة الاهتمام بالأطقم الطبية وتوفير كافة سبل الحماية والأمان لهم، مع منحهم الدعم الكامل ماديا ومعنويا ونفسيا، في حين كانت صيحات الاستغاثة تتصاعد من جميع الأطباء تشكو نقص الأدوات والمعدات والمستلزمات والواقيات الضرورية لهم في خط المواجهة الأول مع الفيروس، وبدء الأطباء يتساقطون ضحايا الإهمال الحكومي، ونقص الاحتياجات وفساد بيئة العمل في المستشفيات، بحسب مناشدات نقابة الأطباء المتكررة للحكومة منذ بداية الوباء وحتى الآن، حيث ارتفع عدد الضحايا من الأطباء بسبب الإصابة بفيروس كورونا إلى نسبة تزيد عشرات الأضعاف عن النسب العالمية، بخلاف أعداد لم يتم حصرها من باقي أعضاء الأطقم الطبية.
كان واضحا منذ بداية الجائحة أنه لا يوجد تصور استراتيجي وبائي لدى الحكومة المصرية للمواجهة، حيث تم على عجل تجهيز مستشفى واحد فقط في

كان واضحا منذ بداية الجائحة أنه لا يوجد تصور استراتيجي وبائي لدى الحكومة المصرية للمواجهة، حيث تم على عجل تجهيز مستشفى واحد فقط في محافظة مرسى مطروح الحدودية بسعة سريرية صغيرة جدا، تحت مسمى "مستشفى العزل" بفرض أنه إنجاز يكفي. ومع زيادة انتشار الوباء بدأ وضع تلك اللافتة على عدد آخر من المستشفيات، ووصل الأمر الى الإعلان عن وضع لافتة "مستشفى العزل" تلك على أكثر من 363 مستشفى عام ومركزي في ذروة الموجة الثانية للوباء، في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2020. ثم بدأ بعدها عدد المستشفيات يتراجع ويتزايد حسب معدل انتشار الوباء، ليصبح بضعة وثلاثين مستشفى عزل فقط حاليا.

وهذا يعنى أن مسمى "مستشفى العزل" ليس له بطاقة وصف هندسي، ولا توجد مصداقية للمبنى من الناحية الإنشائية أو الإدارية أو التشغيلية الثابتة على مستشفيات بعينها وأطقم طبية مخصصة، ولكنه مجرد إجراء تشغيلي حسب موجات الزيادة والتراجع في الانتشار الوبائي، وبالتالي فمن غير المقبول الارتكاز عليه في حصر واعتماد أعداد من يموتون داخل تلك المباني دون غيرها.

من ناحية أخرى، فقد أعلنت الوزارة أن خمسة بالمائة فقط من المرضى هم من يحتاجون طبيا إلى "مستشفى العزل"، وباقي المرضى يتم لهم الفحص في مستشفيات "الفرز"، وهي مستشفيات الصدر والحميات وغيرها من المؤسسات الطبية، وبعدها يتم توجيه المريض لتلقى العلاج بالعزل المنزلي تحت إشراف طبي أو يتم نقله إلى "مستشفى العزل".
هذا يعني بكل وضوح أن جميع أعضاء الأطقم الطبية في جميع المؤسسات الصحية على مستوى مصر يواجهون الفيروس بصورة مباشرة من مواطنين كثر لم يتم لهم التشخيص، وبالتالي فإن معدلات الإصابة تكون أعلى بكثير لأنهم في خط المواجهة الأول فعليا مع المصابين

وهذا يعني بكل وضوح أن جميع أعضاء الأطقم الطبية في جميع المؤسسات الصحية على مستوى مصر يواجهون الفيروس بصورة مباشرة من مواطنين كثر لم يتم لهم التشخيص، وبالتالي فإن معدلات الإصابة تكون أعلى بكثير لأنهم في خط المواجهة الأول فعليا مع المصابين، حتى وإن كانوا بدون أعراض ظاهرية أو شكاوى صحية، وبالتالي فإنه من غير المقبول طبيا ولا مهنيا ولا أخلاقيا اعتبارهم ضمن ما تسميه وزيرة الصحة "العدوى المجتمعية"، وذلك لأنهم يعملون فعليا في استقبال وتشخيص وفرز المرضى في وحدات الرعاية الصحية الأولية بالقرى والمدن وحتى المستشفيات الجامعية، مرورا بكافة المستشفيات العامة والمركزية والنوعية بجميع المحافظات.

وكات دار الإفتاء المصرية قد أعلنت أن موت المسلم بسبب فيروس كورونا يدخل تحت أسباب الشهادة الواردة في الشرع الشريف. وأضافت الدار، في فتواها في شهر آذار/ مارس 2020، أن هذا المرض داخل في عموم المعنى اللغوي لبعض الأمراض، ومشارك لبعضها في بعض الأعراض، وشامل لبعضها الآخر مع مزيد خطورة وشدة ضرر، وهو معدود من الأوبئة التي يحكم بالشهادة على من مات من المسلمين بسببها. فمن مات به من المسلمين فهو شهيد، له أجر الشهادة في الآخرة، رحمةً من الله تعالى به، غير أنه تجري عليه أحكام الميت العادي، من تغسيلٍ، وتكفينٍ، وصلاةٍ عليه، ودفنٍ.

في شهر أيار/ مايو 2020 قامت نقابة الأطباء بمطالبة الحكومة بأن تتم معاملة ضحايا الأطقم الطبية بفيروس كورونا بنفس معاملة ضحايا العمليات من شهداء الجيش والشرطة من خلال القانون رقم 16 لسنة 2018، وهو قانون ممول من موازنة الدولة ويشمل مزايا مجتمعية مثل التعليم المجاني وتوفير السكن والتوظيف الحكومي واشتراكات الأندية وغيرها، بالإضافة الى التعويضات المالية لأسر الشهداء. وقوبل هذا الطلب بالرفض، مع وعود بإصدار قوانين بديلة من خلال مجلس النواب تختص بالأطقم الطبية بعيدا عن القانون الذي يخص العسكريين وحدهم. وبالفعل تم إصدار قانون تحت اسم "مخاطر المهن الطبية" يتم تمويله ذاتيا من أعضاء الأطقم الطبية ويقبل تبرعات أهل الخير، وهذا يعني ضعف وقصور مصادر التمويل من ناحية، مع عدم ضمان استمرارية وديمومة وثبات المستوى المالي لتمويل القانون خارج إطار الموازنة العامة للدولة، على خلاف القانون رقم 16 لسنة 2018 المطلوب تطبيقه على أعضاء الأطقم الطبية.
خلاصة موقف وزيرة الصحة هي محاولة التقليل قدر الإمكان من أعداد من يستحق صرف تعويضات مالية تحت غطاء تلك الحجة غير المنطقية واللا أخلاقية، المسماة "مستشفيات العزل"

في مؤتمرها الصحفي قامت وزيرة الصحة بالتركيز الشديد والتكرار بأن الشهداء الذين يستحقون الدعم المادي هم من ماتوا من بين العاملين تحت لافتة "مستشفى العزل" فقط دون غيرهم من وفيات الأطقم الطبية بسبب كورونا، كما هو ثابت في شهادات الوفاة الخاصة بهم رسميا. وأعلنت الوزيرة عن بدء إجراءات تطبيق قانون مخاطر المهن الطبية، وحصر أسماء الشهداء حسب توصيفها. وهنا تبرز نقطة غير أخلاقية لها مردود مالي؛ وهي عن الظلم الذي سوف يلحق بجميع شهداء الأطقم الطبية الذين سددوا بالفعل رسوما مالية شهرية من أجورهم لتمويل قانون مخاطر المهن الطبية، ثم يتم استبعادهم من صرف تعويضات مالية لأسرهم ولليتامى من أبنائهم بزعم انهم ليسوا من العاملين تحت لافتة "مستشفى العزل" بحسب قرار وزيرة الصحة.

خلاصة موقف وزيرة الصحة هي محاولة التقليل قدر الإمكان من أعداد من يستحق صرف تعويضات مالية تحت غطاء تلك الحجة غير المنطقية واللا أخلاقية، المسماة "مستشفيات العزل"، وذلك نظرا لمحدودية وقصور موارد صندوق مخاطر المهن الطبية عن الوفاء بصرف حقوق اليتامى من أبناء شهداء الأطقم الطبية ضحايا كورونا، والحل الوحيد الذى يضمن العدالة الاجتماعية هو الإسراع فورا من الحكومة بعرض طلب تعديل بسيط على القانون رقم 16 لسنة 2018 الممول حكوميا، ليشمل تحت مظلته توسيع دائرة المستفيدين، ومنهم جميع شهداء كورونا من أعضاء الأطقم الطبية العاملين في المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة بجميع أنحاء الوطن.
التعليقات (0)