كتاب عربي 21

كارثة واحدة في مصر

عبد الرحمن يوسف
1300x600
1300x600
في هذه الأيام العصيبة لا صوت للعقل في أوطاننا، تتوالى الكوارث، ولا تسمع إلا أصوات طبول المهرجين الذين لا عمل لهم سوى تمجيد الحاكم الذي يسير بالوطن بأقصى سرعة إلى الهاوية..

يتحدثون عن الطرق والجسور، يتحدثون عن الأمتار المربعة للأسفلت وكأنها مقياس تقدم الأمم.. يتحدثون عن الأمتار المكعبة للخرسانة وكأنها الدليل على الاستقرار.. كم مترا مربعا من الأسفلت صنعتم للأغنياء فقط؟ كم مترا مكعبا من خرساناتكم صُبّتْ في سجون وأسوار تعزل غالبية الشعب عن شعب الحكم المختار، وتخلق جيشا من الفقراء خارج حدود المناطق الخضراء للأغنياء؟

لا صوت للعقل في مصر اليوم.. حالة الخرس عامة، شاملة، حتى من المصريين المعارضين الذين يعيشون خارج البلاد، لا يتحدث اليوم إلا قلة قليلة منهم، وذلك بعد أن أصبح خطف الرهائن هو النظام المتبع من العصابة الحاكمة في مصر..

إنها الحقيقة.. غالبية من كان لهم صوت في الخارج.. خفتت أصواتهم بعد أن تعالت أصوات أقاربهم في معتقلات العسكر في مصر..
في مصر اليوم.. حالة الخرس عامة، شاملة، حتى من المصريين المعارضين الذين يعيشون خارج البلاد، لا يتحدث اليوم إلا قلة قليلة منهم، وذلك بعد أن أصبح خطف الرهائن هو النظام المتبع من العصابة الحاكمة

* * *

بدأت يومي بقرار الكتابة عن كارثة قناة السويس.. العالم كله يحبس أنفاسه ويتابع الأزمة.. القناة مغلقة لفترة قد تستغرق عدة أيام، أو عدة أسابيع.. لا أحد يعرف على وجه الدقة.

إدارة الأزمة ظهرت فيها جميع أمراض الاستبداد العسكري، لا معلومات، مع منع لنشر الخبر محليا، مع محاولة تقليل حجم الكارثة وإظهار أن كل شيء يسير على ما يرام، وبالطبع تمجيد القيادات المسؤولة عن الكارثة.. غني عن الذكر أن جميع المسؤولين عن الكارثة جنرالات متقاعدون، لم ينتخبهم أحد، بل هم في مواقعهم بقوة السلاح!

الحادث في حد ذاته طبيعي، صحيح أنه حادث ضخم، ولكنه في النهاية هذه الأمور تحدث، ولا توجد "عورة" في الاعتراف بأن أمرا كهذا قد حدث.

ولكن عقلية عسكر الاستبداد لا تقبل بصوت العقل، ولا ترضى بأي شكل من أشكال الشفافية، لا بد من فضيحة لكي تعترف الدولة بأن أمرا ما قد جرى..
عقلية عسكر الاستبداد لا تقبل بصوت العقل، ولا ترضى بأي شكل من أشكال الشفافية، لا بد من فضيحة لكي تعترف الدولة بأن أمرا ما قد جرى

وحتى هذه اللحظة.. ما زالت مصادر المعلومات شحيحة، وأغلب ما نستقيه من معلومات مصدره الإعلام الغربي، وما زال أهل الحكم في مصر عاجزين عن تقديم بيان شاف للمصريين، ولمجتمع الأعمال في العالم، لكي يطمئن الجميع، أو على الأقل ليفهم الجميع حجم المشكلة..

* * *

بدأت يومي - كما قلت - بقرار أن أكتب المقالة عن أزمة قناة السويس، ولكن بعد أن بدأت الكتابة وصل الخبر الحزين: اصطدام قطارين في محافظة سوهاج.. عزاؤنا لأنفسنا.. للشعب المصري كله..

وكما حدث في أزمة قناة السويس.. لا أحد يصارح الناس بحقيقة ما حدث، وبالتالي حجم الكارثة غير معروف، فبعض شهود العيان يتحدثون عن ضحايا بالمئات، بينما تصرّ دولة العسكر على أن الضحايا بين الثلاثين والأربعين، وهو أمر يصعب تصديقه..

ولم تكتف دولة العسكر في مصر بتصدير أرقام يصعب تصديقها، بل أتبعت ذلك بفضيحة يستحيل تصديقها، حيث صرّحت وزيرة الصحة تصريحا لا مثيل له في استغباء الآخرين: "انخفاض حصيلة وفيات حادثة قطار سوهاج إلى ثمانية عشر شخصا، بسبب دخول بعض المصابين في غيبوبة، واعتقاد الأهالي أنهم ماتوا"! ولا تعليق على هذا التصريح الذي يحتقر عقول الناس.

أحد الناجين استغاث فور وقوع الحادث ببث مباشر على فيسبوك في موقع الحادث، وصرخ من قلبه: "احنا رخاص.. فين المسؤولين.. بنحب بلدنا بس بلدنا كارهانا". انفعال طبيعي، بلاغة البسطاء مع هول الصدمة.. هذا الشاب الذي فقد زملاءه، ورأى دماءهم، وبدأ البث المباشر وهو ما زال داخل القطار المنكوب، بين الجثث والمصابين، اعتقلوه!
لقد أدار أهل الحكم الأزمة بكل صلف الاستبداد المعهود، لا معلومات، لا نشر للخبر، اعتقال الشخص الذي نشر الخبر عبر بث مباشر على فيسبوك، محاولة تقليل حجم الكارثة بتقليل عدد القتلى والمصابين بل بتخفيض عدد الضحايا إلى النصف، مع الإشادة بالوزير المسؤول

لقد أدار أهل الحكم الأزمة بكل صلف الاستبداد المعهود، لا معلومات، لا نشر للخبر، اعتقال الشخص الذي نشر الخبر عبر بث مباشر على فيسبوك، محاولة تقليل حجم الكارثة بتقليل عدد القتلى والمصابين بل بتخفيض عدد الضحايا إلى النصف، مع الإشادة بالوزير المسؤول، ولا شك أننا لا نحتاج أن نقول إن جميع المسؤولين عن الكارثة جنرالات سابقون.. وزير المواصلات، والمحافظ، ورئيس هيئة السكك الحديدية، وغيرهم.. مفروضون على الأمة بقوة السلاح، ينهبون ثروات الشعب بلا رقيب، ولا يحاسبهم أحد مهما أجرموا!

* * *

بدأت يومي بنية أن أكتب عن كارثة السفينة التي جنحت في قناة السويس، ولكن جاء حادث قطار الصعيد فقلت لا بد أن أعلق على هذه الكارثة أيضا، وفي اليوم التالي استيقظت لكي أنهي مقالتي وأرسلها للنشر.. ولكن فوجئت بخبر كارثة انهيار عمارة في القاهرة بمنطقة جسر السويس!

يبدو أن هناك منشأة صناعية في بدروم العقار، وهو أمر ليس غريبا في مصر، فحكم العسكر معناه أن يفعل المرء ما يريد، والمال يستطيع شراء المسؤولين العسكريين غير المنتخبين، فالمناصب بالنسبة لهم باب للترزق، وهي مورد للثروات الحرام، وغالبية هؤلاء منحوا مناصبهم مكافأة على فسادهم، وتزلفهم لقادتهم الفاسدين، وبالتالي.. ستجد في مصر مئات المصانع التي تمارس أعمالا خطرة داخل كتل سكنية شديدة الازدحام..

تفاصيل الحادث ما زالت غير معروفة، ولكني أجزم، وبكل ثقة، بأن حادث انهيار العقار سنرى فيه السيناريو المكرر في جميع كوارث مصر.. مسؤولون عسكريون لا يحاسبهم أحد، يمنعون نشر حقيقة ما جرى، ويحاولون تقليل حجم الكارثة، ويظهرون أنهم لم يخطئوا أبدا، وأن كل شيء يسير على ما يرام، وأن المشكلة في الشعب المتخلف الجاهل، واعتقال كل من تسوّل له نفسه أن ينشر، أو أن يصرخ من الألم..

* * *
إن مصر لا تعاني من كوارث متتالية.. بل تعيش في ظل كارثة واحدة منذ خمسينيات القرن الماضي.. كارثة حكم العسكر.. كارثة الاستبداد.. ولا حل إلا بعلاج هذه الكارثة، وحينها ستنتهي كل الكوارث..

يحاول البعض أن يقترح بعض الحلول لمشاكل مصر.. مثل ضرورة أن تهتم الدولة بالصعيد، أو ضرورة أن تتسم الدولة بالشفافية، أو أن يكون هناك غرفة لإدارة الأزمات على مستوى احترافي.. والحقيقة أن كل ذلك هذر في موضع الجد.. فبلد مثل مصر لا أمل فيه إلا بتغيير شامل يكفل للناس حرية حقيقية، بحيث يختار الناس من يحكمهم، ويصبح الشعب مسؤولا عن نفسه من خلال انتخاب من يدير شؤون حياتهم اليومية في المحليات، وفي البرلمان، وفي الحكومة، وفي القضاء، وفي الرئاسة.. حين يتسنى للناس ذلك سيحاسبون كل كبير وصغير، ولن تستمر البلاد في مسلسل الانهيار الذي نراه أمامنا..

بغير ذلك ستظل مصر محكومة بمماليك يقودون الناس بالسيف، والناس في انتظار لحظة الانتقام المناسبة.. وهي قادمة قادمة!

إن مصر لا تعاني من كوارث متتالية.. بل تعيش في ظل كارثة واحدة منذ خمسينيات القرن الماضي.. كارثة حكم العسكر.. كارثة الاستبداد.. ولا حل إلا بعلاج هذه الكارثة، وحينها ستنتهي كل الكوارث..

twitter.com/arahmanyusuf
موقع الكتروني: www.arahman.net

التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الأحد، 28-03-2021 09:42 م
*** قول الكاتب من أنه "في ظل كارثة الحكم الاستبدادي للعسكر... ستظل مصر محكومة بمماليك يقودون الناس بالسيف، والناس في انتظار لحظة الانتقام المناسبة"، هي رؤية صائبة، وتحتاج لإعادة تأكيدها والتذكير بها، فالذين يدعون إلى "السعي لتطبيق حلولاُ جزئية لمشكلاتنا" تحت قيادة الجنرال المنقلب المجرم الدجال، إما مخدوعون أو مشاركون في خداع الشعب بتنويمه وبث الأماني الكاذبة فيه، ليبقوه في حالة من الشلل، في حين أن أوضاع مصر تتدهور إلى هاوية الإفلاس، وليتيحوا الفرصة لعصابة الانقلاب للاستمرار في تجريف ثروة الشعب وبيع ورهن أراضيه، وتهريب الأموال المنهوبة من عمولات السلاح، وأرباح مشروعاته الوهمية الفاشلة التي يهدر عليها أموال القروض التي يغرق مصر فيها، ويعيد تدويرها من خلال شبكة تهريب الأموال الدولية التي يقودها المتصهين بن زايد، وشريكه بن سلمان الابن العاق للأسرة الحاكمة السعودية، ولذلك فإن التنبيه والتحذير واجب من هذه الرؤية المكذوبة لمن يدعون أنهم إصلاحيون، من أمثال ابوالفتوح عندما أوهم الشعب بأن الإصلاح السياسي ممكن من خلال معارضة النظام وإصلاحه من داخله، فتماهى مع الانقلاب وسايره، هو وأمثاله من جهابذة جبهة الإنقاذ، مع شركائهم من مدعي الاشتراكية والعلمانية والمجتمع المدني وهم كاذبون وانقلابيون، وساعين إلى هيمنة الغرب والطوائف على مصر وشعبها، وتمييع هويتها ومحو عقيدتها الحقيقية، ولذلك فمقاومة الانقلابيين المجرمين لم تصبح واجب النشطاء السياسيين الثوريين وفقط، بل أصبحت فرض عين واجب على كل مصري قادر، فهم المستهدفين الحقيقيين، ولحظة الصدام قريبة، وحينئذ سيرى الذين استخفوا بالشعب منه ما يكرهون، والله من وراء القصد.