قضايا وآراء

عمر دوكم، شهيد الحرية والتنوير

نبيل البكيري
1300x600
1300x600

                          
                                                                                              
لم يكن الاستاذ الشهيد عمر عبد الله دوكم خطيب جامع العيسائي بمدينة تعز و أحد أهم خطباء ثورة 11 فبراير بساحة التغيير بالمدينة، و الذي تم اغتياله عقب صلاة الجمعة الماضية،  لم يكن شخصا عاديا،  بقدر ما كان شخصا إستثنائيا شكلت إستثنائيته مدرسة فكرية وتيارا وطنيا كبيرا كانت ثورة 11 فبراير  2011 أحدى أعظم تجليات هذا التيار الذي مثل عمر دوكم،  أحد روافده وملهميه و الذي  رأينا كيف فجر هذا التيار  ثورته  في وجه واحد من أحط الأنظمة الهجينة والمتخلفة في اليمن.


عمر دوكم الاستاذ والسياسي و الناشط المدني والكاتب والخطيب والمثقف والأديب، هذه الصفات التي قلما تجتمع في شخص ما في زماننا هذا، لكنها اجتمعت في شخص عمر دوكم، الذي مثل حالة اسثنائية من نوعها، فشكل بذلك حالة اجماع سياسي وطني كرمز للتنوير والحوار والتسامح الذي عرف عنه دأبه ونشاطه الدائم في كل أرجاء الوطن اليمني  داعيا ومبشرا بقيم المدنية والحقوق والحريات والمواطنة المتساوية والتعايش والسلام.


المتتبع لمسيرة الاستاذ عمر دوكم رغم قصرها، سيجدها مليئة بالانجاز والنشاط النوعي في واحد من أهم و أخطر مجلات النشاط المجتمعي كخطيب مسجد، سخر منبره للتبشير بكل القيم التي آمن بها ، قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة، هذه القيم التي يحوم حولها الكثير من الغبش والجدل بين كثير من خطباء المساجد وأئمتها الذين لا يزال البعض رغم إيمانه بها لا يجرؤ على الحديث حولها سلبا وإيجابا.


أما الشهيد عمر دوكم فقد حول الكثير من هذه القيم السياسية والفكرية والثقافية إلى سلوك ونهج حياة من خلال تحويل هذه القيم إلى مادة منبرية يحث المجتمع للتعاطي معها كقيم حياتية مقدسة، لا سبيل إلى رقي المجتمعات وتحررها من تخلفها وتراجعها إلا بتبيئة هذه القيم وممارستها عمليا بدأ من الفرد والأسرة والمجتمع فالدولة.


لقد حول الشهيد عمر، منبر مسجدة إلى منبر تنويري في نشر قيم الحرية والتنوير الديني فيما يتعلق بنقاش كثير من مسلمات التدين الشعبوي، ورؤيته حول كثير من القضايا كالفن والموسيقى والمرأة، عدا عن قيم الحداثة السياسية كالديمقراطية والتعددية والانتخابات وغيرها من القضايا المتعلقة بالإنسان الحر الكريم.


وانطلاقا من هذه الزاوية في شخصية الشهيد عمر، أي فكره المنفتح على كل الأفكار والتيارات بمختلف توجهاتها، كان عمر نقطة استهداف لكل المشاريع الفوضوية والعبثية التي ترى في فكر عمر خطراً عليها، فخاصمته جماعة التطرف أو ما يمكن أن أطلق عليها جماعة الاستحمار الديني، بحسب مصطلح علي شريعتي، وخاصمته قوى الانقلاب الطائفي والمناطقي وقوى الزيف السياسي من أدعياء الحداثة السياسية "المؤدلجة" وخاصمه  كهنة التدين الشعبوي، لا لشيء إلا لأن عمر كان يرى أن التسامح والتعايش الثقافي والسياسي مقدمة مهمة لمجتمع ديمقراطي حر وتعددي.


ربما ما ذكرته أعلاه، حول جوهر شخصية عمر التوافقية المنفتحة على كل الأفكار والتوجهات، يختزل عمر كشخصية وطنية عامة، محل احترام واجماع وطني كبير بين فرقاء السياسة، لكن أيضاً وفي هذا السياق، فقد مثلت شخصة عمر دوكم كأحد قادة العمل الإسلامي في مدينة تعز نقطة إشكال أخرى في إطار المدرسة الإصلاحية نفسها التي ينتمي إليها عمر، حيث لم يكن توجه عمر الفكري يروق لبعض منتسبي تياره السياسي وخاصة بعض الأفراد الذين لم يعد يربطهم بتوجه الإصلاح العام أي رابط وخاصة بعد إعلان الإصلاح عدم علاقته بهؤلاء الافراد وافكارهم كالشيخ عبد الله العدني الذي كتب وخطب محرضا ضد عمر دوكم ورفاقه طويلا فيما يتعلق برأي دوكم حول كثير من القضايا الفقهية والفكرية .


فصراع الأفكار بين مدرسة وتيار الاستاذ عمر دوكم وخصومهم الفكريين، ليس جديد اللحظة فقد بدأ مبكراً، حول كثيرمن القضايا المتعلقة بالفن والأدب والمرأة والموسيقى والدولة المدنية وغيرها من القضايا، لكن ذلك الخلاف ظل في إطاره الحواري والنقاشي ولم يصل لمرحلة العنف حتى اللفظي منه، مما يعني أن التحريض الذي يستهدف تيار الاستنارة الفكرية، لم يكن يرقى لتهديد عنفي كما هو الحال الآن، إلا في ظل حالة الانفلات الأمني في مدينة تعيش حربا طاحنة وحصارا جائراً، مما يعني إمكانية توظيف ذلك التحريض في التخلص من هذا التيار أو ذلك ولمصلحة أطراف عدة أهمها الطرف الإنقلابي داخليا أو الطرف الأقليمي الذي يحمل أجندات التخلص من تيارات وحملة فكرة الربيع العربي وثوراته.


وأنا هنا بدوري لا أقلل من خطورة ظاهرة التحريض هذه، مع استبعادي لفكرة التنفيذ العنفي لهذا التحريض من قبل أصحابه، وأرجح بقوة فكرة التوظيف الخارجي "المخابراتي" لخطاب التحريض إياه، في تصفية عمر دوكم ورفاقه من قبله في سلسلة من الاستهدافات بالاغتيال تارة والإختطاف والتغييب تارة أخرى، ويهذه الطريقة الممنهجة التي تكررت في مدينة عدن لوحدها لأكثرمن 22 عملية إغتيال واختطارف كان أخرها اختطاف الشيخ نضال باحويرث بعدن من قبل أفراد تابعين لمديرية أمن عدن المرتبطين بدولة الإمارات وحاكمها العسكري لعدن.


بالعودة لقصة الاستاذ الشهيد عمر دوكم،ومكانته الوطنية الكبيرة التي يصعب تعويضها وجبر خسارة شخص بحجمه وتأثيرة في مدينة تعز وخارجها، فأعتقد أن قضية استهدافه التي أدت لموتة بعد ثلاثة أيام من محاولة الاغتيال له ولرفيقة الاستاذ رفيق الأكحلي التربوي القدير،فلم يكن إغتيالهما عملية اعتباطية عابرة بقدر ما كانت عملية ممنهجة لا تخرج عن سياق الاستهداف الممنهج لكثير من رواد الخطاب التنويري الديني الوطني، الذي له علاقة باستعادة الدولة واستعادة السياسة في مجتمع أسقطه الإنقلاب ودمرته الحرب وقضت على أفضل ما فيه من نخب وأفراد على مدى ثلاث سنوات من الحرب والإنقلاب.


إن الرد المناسب على هذه الجرائم التي تستهدف حملة الخطاب الوطني التنويري كعمر دوكم و غيره  يكون في تعاضد المجتمع والبناء الثقافي والفكري على تراكمات منتجات أفكار هؤلاء المفكرين  الذين ينبغي تحويل أفكارهم إلى مشاريع فكرية وبحثية وثقافية لتجذير مشروعم الوطني وتعزيزه على أرض الواقع حقائق ملموسة لا الانسياق في خطاب المظلومية الانهزامي المستسلم.


فالانتصار لدم عمر دوكم وكل رفاق دربه، هو بالسير على نهجهم وكشف من يقف خلف هذه الأعمال القذرة التي استهدفتهم، وتحويل أشخاص هذا التيار إلى رموز ومزارات ثقافية وفكرية من خلال إعادة نشر أفكارهم وإنشاء معاهد أو مراكز بحثية أو مدراس تحمل أسماءهم تخليدا لنضالهم و تبنيا لافكارهم التنويرية الوطنية ولا سبيل إلى ذلك قطعا قبل إستعادة الوطن وتحريره من الانقلاب الداخلي و نظيره  الاستبداد الخارجي أيضا.
 

                                                          

0
التعليقات (0)

خبر عاجل