قضايا وآراء

سيكولوجيا طفولة "مصر المعذبة"

أحمد أبو زيد
1300x600
1300x600
فقط في مصر، الأطفال يقضون إجازاتهم الدراسية في باحات السجون، وليس في الملاهي والمتنزهات. هنا حيث قصص التعذيب وآهات الآباء وأنات الإخوة وحكايا رفاق الدراسة، وأوجاع أمهاتهم اللواتي ترملن واقعيا لردح من الزمن.. بين هذا وذاك، حكايا بلون قاتم لا يكف الدمع حين تقرؤها انهمارا، فالقسوة فاقت كل الحدود، والطفولة انتحرت هناك، فبات أطفال الخامسة يحكون حكايا الكبار عن معاناة آبائهم.

"العسكري اللي بتقول عليه غلبان ده الظابط يقوله شعلق بابا وهو يشعلقه علشان يضربه".. تلك حكمة طفلة في السادسة، وليست راشدة في العشرين. فأطفال اليوم باتوا أكثر إحساسا بمعاناة وطنهم، وباتت ألعابهم اليومية وحكايات نومهم عن المناضل البطل المسجون (أو الشهيد، أو المطارد في منفاه الاختياري)، حتى باتت حكايا "السندباد" و"سندريلا" نوعا من الرفاهية لا يجدها أطفال المصريين.

العبارة السابق مجتزأة من مشهد درامي تراجيدي خلال زيارة أسرة الزميل الصحفي هشام جعفر لوالدهم في سجن العقرب، حيث تحكي زوجته فتقول: "من المبكيات في الزيارة بنتين زي القمر صغيرين جدا بيتكلموا معانا فبيقولوا لابني انت جاي تزور في استقبال قالهم لا العقرب قالوله العقرب ده ايه ااااه عرفت اللي بتمسك سماعة وهو سماعة قالهم اه. واحدة قالتله وليه باباك في العقرب مش في استقبال فابني قالها علشان بابايا خطير جدا (ابني متخرج والبنت 6 سنين). قالتله: عمل ايه ضرب عسكري؟ قالها لا ده العسكرى غلبان قالتله تعالى ووشوشته في ودنه وبعدها لقيت وشها متغير. بعد ما خلصنا الزيارة بقوله البنوتة كانت بتوشوشك بتقلك ايه؟ قاللي قالتله انت عارف العسكري اللي بتقول عليه غلبان ده الظابط يقوله شعلق بابا وهو يشعلقه علشان يضربه. أنا اتقهرت والله العظيم اللي بنشوفه في الزيارات يتكتب في مجلدات. انت مش بس بتتقهر على اللي ليك جوه أنا فعليا بتأثر بأي حاجة تحصل وتفضل قاهراني. اللي بنشوفه كتير قوى ذنبها إيه طفلة زي دي تعاني المعاناة دي تعيش إزاي في مجتمع ده وتكبر فيه وهي عارفة ان ابوها مظلوم وبيتعرض لكل ده". 

مشهد آخر مُبكٍ؛ يكشف سيكولوجيا الطفولة في عهد السيسي مع أصغر أبناء الصحفية "شيرين بخيت" التي قضت عاما من الحبس الاحتياطي بعيدة عن أبنائها الأربعة، فيما يقضي زوجها نفيا اختياريا خارج مصر بعد اعتقال طويل.. الطفل الذي يرى أمه كل أسبوعين أو يزيد؛ يسألها: "هما اليهود اللي اعتقلوكي هيجو تاني البيت يخدونا؟ انا عاوز اكون معاكي ياماما".. يبكي كل زيارة متمسكا بوالدته يريد أن يرافقها في سجنها، ما أبكى السجانة، لكن جدته التي تصطحبه لم تعد تطيق ذلك المشهد فتركته وحرمته زيارة والدته.

مشهد آخر يرويه الصحفي السابق في "bbc" والمحتجز تعسفيا منذ أسابيع؛ في رسالة مسربة؛ عن ابنته تسبيح، والتي لم تتجاوز الخمس سنوات من العمر، والتي كانت مرتبطة به ارتباطا غير عادي: "في أول زيارة لي وجدت على وجهها آثار الصدمة لا تتحرك ولا تتكلم، وكانت تنظر حولها بدهشة غير عادية لم تحتضنني كالعادة. ظننت أن والدتها قد أغضبتها في الطريق، ولكن علمت من والدتها أنهم أخبروها أنني في مشوار بعد تكرار السؤال أكثر من مرة: بابا فين؟ وطول الطريق وهي مبسوطة وفرحانة أننا رايحين لبابا في المشوار، وعند دخول القسم ورأتني ورأت العساكر والضباط؛ راحت الفرحة التي كانت تغمرها، وحلت مكانها الصدمة والحزن، وظلت تنظر لي وهي حزينة. وسألت مامتها في الزيارة التالية: تسبيح مالها؟ قالت تسبيح بتقولي هما سرقوا بابا ومش هيرجعوه تاني؟ لم أكن أتخيل أبدا أن طفلة لم تتجاوز الخامسة من عمرها يمكن أن تحس بهذه المشاعر وهذا الظلم، بل زاد أن بكت تسبيح وبحرقة على فراق أبيها المغيب ظلما خلف القضبان، لا لشيء إلا أن سيادة الضابط مش عاجبه أنه قاعد في شقته التي يمتلكها".. انتهى كلام عمار ولم تنته معاناة الطفولة المعذبة في مصر.. فهناك ألف أسرة يعيش أطفالها ذات مشاعر أطفال شيرين بخيت أو عمار النسر أو أطفال العقرب. إننا أمام مليون طفل يعيشون نفس المأساة. كيف يعيشون سلاما نفسيا مع تلك الدولة وهؤلاء الضباط والجلادين الذين حبسوا آباءهم أو حرموهم من العلاج، أو أهملوهم طبيا حتى ماتوا؟

السؤال الأكثر إلحاحا: من يدفع ضريبة هذا الخلل البنائي في سيكولوجيا الطفولة في مصر؟ بالتأكيد سندفعها جميعا.. نظام عسكري مستبد يجلد ظهور المصريين، وشعب صامت يتفرج، ومعارضون يدفعون زهرة شبابهم في سجون السيسي، وأسرهم التي تفتقد العائل، وطفولة تفتقد البيئة الطبيعية للتنشئة السوية، ليدفع الوطن بكامله فاتورة هذه الحقبة السوداء في تاريخ مصر.
التعليقات (0)