مقالات مختارة

هل ستؤدي مقاطعة السعودية لقطر إلى دفعها لأحضان إيران؟

جوان كول
1300x600
1300x600
لا بد أن المحللين الذين بالغوا في اعتبار الانقسام السني الشيعي مفتاحا لفهم السياسة في الشرق الأوسط يحكون رؤوسهم الآن، حيث تشهد المنطقة صراعا يهدد السياسة فيها بين دولتين سنيتين متزمتتين (وهابيتين في الواقع)، هما المملكة العربية السعودية وقطر. يشترط تحالف تقوده السعودية على قطر الاستجابة إلى ثلاثة عشر مطلبا بحلول الثالث من يوليو / تموز.

ولكن لا يوجد بعد ما يشير إلى أن حكومة قطر لديها أي خطط للرضوخ لهذه المطالب. في نفس الوقت سارعت إيران ذات الأغلبية الشيعية وتركيا ذات الأغلبية السنية إلى نصرة قطر الوهابية وهبتا للدفاع عنها. فهل كل ما ستنجزه السعودية هو أنها ستقوي نفوذ إيران في الخليج؟

تشتمل المطالب السعودية على قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران والتوقف عن دعم جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق شبكة الجزيرة الفضائية، أهم مصدر لشهرة الإمارة (إلى جانب ثرائها الواسع بفضل ما يتوفر لديها من غاز طبيعي). عمدت المملكة العربية السعودية إلى فصل شبه جزيرة قطر فصلا بريا تاما وقطعت عنها خطوط الإمداد البرية فلم تعد تصلها المواد الغذائية القادمة من بلاد الشام إلى الدوحة عبر السعودية. كما حظرت الرياض وحلفاؤها (بمن فيهم مصر) على الخطوط الجوية القطرية حق التحليق في أجوائها والهبوط في مطاراتها (وهو إجراء غير شرعي ومخالف للقانون الدولي). والآن، تهدد دولة الإمارات العربية المتحدة بأن قطر يمكن أن تعزل بشكل دائم وتكون عرضة للمقاطعة الاقتصادية من قبل مجلس التعاون الخليجي بأسره.

ما من شك في أن مثل هذه الإجراءات من شأنها على الأغلب أن تدمر مجلس التعاون الخليجي الذي يتكون من ست دول، والذي تشكل في مطلع ثمانينيات القرن الماضي من هذه المجموعة من الإمارات والممالك السنية والوهابية، والتي تنتمي إليها كل من قطر والمملكة العربية السعودية إضافة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين وعمان. ويذكر أن عمان لم توافق على المشاركة في حملة مقاطعة قطر، كما أن لديها خطوط تواصل خاصة بها مع إيران. 

بادر رئيس إيران حسن روحاني بالاتصال يوم الأحد الماضي بأمير قطر الشاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ليؤكد له بأن مطارات إيران ومجالاتها الجوية مفتوحة أمام الدوحة وأن إيران على استعداد لتوسيع علاقاتها الاقتصادية، وخاصة فيما يتعلق بالقطاع الخاص. كما أرسلت إيران عدة طائرات محملة بالأغذية إلى الإمارة الصغيرة. رغم أن المواطنين القطريين الأثرياء، والذين يبلغ تعدادهم حوالي 300 ألف نسمة، ليسوا في خطر من ألا يتمكنوا من تحمل أسعار المواد الغذائية المكلفة التي تستورد بحرا وجوا، إلا أن ارتفاع أسعار البضائع الاستهلاكية قد يتسبب في موجة خروج بين بعض العمال الأجانب الذين يصل تعدادهم إلى 2.5 مليون نسمة.

لو حصل ذلك، فإنه سيكون كارثيا على ذلك الجزء الصغير من الاقتصاد القطري الذي لا يعتمد على المنتجات البترولية، وقد يعرض الإمارة للانكشاف من الناحية الديموغرافية (السكانية). يذكر في هذا السياق بأن قطر تشبه آيسلاندا من حيث تعداد السكان، بينما تشبه المملكة العربية السعودية رومانيا. 

تشير قطر إلى أن مطالبة السعودية إياها بأن تقطع علاقاتها مع إيران ليس من المنطق في شيء، وذلك أن البلدين يشتركان في حقل ضخم للغاز الطبيعي يمتد تحت قاع الخليج. تمكنت قطر من تطوير حقولها وتصدير المنتج باستخدام تقنية الغاز الطبيعي المسال، والذي يمكن أن يعبأ في أنابيب ثم يصدر بحرا. لم يسمح لإيران بالحصول على هذه التقنية بسبب العقوبات التي كانت مفروضة عليها. ولذلك تتقدم قطر شريكتها بمراحل من حيث تطوير الحقول، الأمر الذي تسبب في الماضي في توتير المشاعر داخل طهران. بمعنى آخر، إذا كانت قطر بحاجة إلى الحديث مع إيران، فما ذلك إلا بسبب خلاف قديم وقائم بينهما وليس لأن قطر منحازة إلى إيران في معظم القضايا. 

وبالفعل، في سوريا تقف قطر في مواجهة إيران في الحرب الأهلية الدائرة هناك. فبينما تساند قوات الحرس الثوري الإيراني النظام البعثي لبشار الأسد، تدعم قطر الجيش السوري الحر، ذي الأغلبية السنية (والذي يرتبط معظم أفراده بعلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين السورية)، بما في ذلك جماعات متشددة نسبيا مثل أحرار الشام، والتي لم تتردد في التحالف في أرض المعركة مع منتسبي القاعدة في سوريا داخل جبهة فتح الشام، والتي كانت تعرف باسم جبهة النصرة، والتي تقول الآن إنها قطعت روابطها بزعيم القاعدة أيمن الظواهري، إلا أنها بشكل عام لا تصدق في ذلك. ومع ذلك فقد دعمت المملكة العربية السعودية هي الأخرى مجموعات داخل سوريا أكثر تشددا من جماعة الإخوان المسلمين المعتدلة نسبيا، بما في ذلك جيش الإسلام، المجموعة التي تكلمت عن ذبح الشيعة العلويين في سوريا. 

من الجدير بالذكر أن طهران ودمشق هما اللتان تعتبران منتسبي الجيش السوري الحر إرهابيين. ونظرا لأن إيران وروسيا تمكنتا تقريبا من كسب الحرب الأهلية السورية، بينما انهزمت المجموعات التي تدعمها قطر وألجئت إلى الاحتماء بجيوب قاصية في الأرياف، فإن بإمكان إيران الآن أن تمارس دور اللاعب الشهم والنبيل. فهي الآن تسعى لتجاوز خلافاتها مع كل من قطر وتركيا (وهذه الأخيرة كانت هي الأخرى تدعم مجموعات من الثوار السنة حلت بهم الآن الهزائم– سواء كانت أصولية أم ليبرالية.) والآن، تخوض روسيا وإيران مفاوضات مع الثوار السوريين في أستانا، في قزخستان، تشارك فيها بشكل فعال كل من تركيا وقطر.

أما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة فقد تم إقصاؤهما عن هذه المحادثات، وحرمتا من أن يكون لهما رأي في مستقبل سوريا مع الإقرار بدور إيران الفاعل هناك. من المحتمل أن يكون الضغط الذي تمارسه السعودية والإمارات على قطر له علاقة بمحاولات إقصائهما عن أن يكون لهما قول في تقرير مصير بلد يشعر كلاهما أن لهما مصالح داخله. وكان الفصيل الذي يقاتل بالوكالة عن السعودية في سوريا، جيش الإسلام، قد تعرض لسلسلة من الهزائم في خضم اقتتال فصائلي داخلي بين الثوار، ومن المحتمل ألا يكون له أدنى دور في مستقبل البلاد. 

إن المملكة العربية السعودية ودولة قطر هما البلدان الوحيدان اللذان يلتزمان بتعاليم الداعية الأصولي محمد بن عبد الوهاب الذي عاش في منتصف القرن الثامن عشر. بينما يمكن اعتبار الإسلام السني أشبه بالخيمة الكبيرة التي تنأى بنفسها عن التكفير والإقصاء، إلا أن الوهابيين تقليديا يستسهلون إخراج الناس من ملة الإسلام لأتفه الأسباب، وكان ذلك هو موقفهم من سلاطين العثمانيين السنة، رغم أن الدولة العثمانية كانت واحدة من أكبر الإمبراطوريات المسلمة وأطولها عمرا.

وبينما كان علماء أهل السنة عبر التاريخ وحتى في عصرنا هذا في مقدمة أهل الاختصاص في مختلف المجالات، إلا أن الوهابيين زعموا بأن الإبداعات التكنولوجية التي لا يقرها القرآن الكريم فهي موضع شك. وبينما عرف عن الإسلام السني تسامحه مع النصارى، إلا أن المتشددين الوهابيين لا يوافقون على السماح لهم بممارسة شعائر دينهم في العلن. وبينما عرف عن المعاهد والمؤسسات السنية انفتاحها وقبولها للحوار مع الشيعة، إلا أن الوهابيين لجأوا إلى العنف لقمع من ينتسب لذلك المذهب من مذاهب المسلمين. ومع ذلك كله، يبقى النموذج الوهابي القطري أكثر ليبرالية من النموذج السعودي. فعلى سبيل المثال توجد في الدوحة كنائس ويسمح فيها ببيع الخمور، مع أنه جرى مؤخرا فرض ضريبة خطيئة كبيرة عليها. 

تتهم المملكة العربية السعودية قطر بدعم الإرهاب (وهي تهمة بكل صراحة لا أساس لها على الإطلاق)، ولكنها إذ تفعل لا تقصد بذلك المجموعات المتطرفة في سوريا. فهذا سيكون أشبه بمن ينعت غيره بما هو فيه كالقدر يقول للإبريق يا أسود. وبالفعل، فكرة أن تتهم المملكة العربية السعودية شخصا آخر بنشر التطرف الإسلامي تكفي لأن تجعل المرء يستلقي على ظهره من كثرة الضحك. بل إن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر هي التي قررت تصنيف جماعة الإخوان المسلمين على أنها منظمة إرهابية، وهي تهمة أبعد ما تكون عن الإنصاف. تأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر في عام 1928، وكانت في بداياتها حركة إحياء وتجديد من قبل مجموعة من السنة المعارضين للهيمنة البريطانية على بلادهم. وبعد أن أعادت بريطانيا احتلال مصر أثناء الحرب العالمية الثانية، اتجهت جماعة الإخوان المسلمين إلى ممارسة الإرهاب، واستمرت خلية تابعة لها تمارس ذلك طوال أربعينيات وبعضا من خمسينيات القرن الماضي.

ولكن في مطلع السبعينيات أبرمت قيادة الحركة ميثاقا مع الحكومة القومية التي كان يقودها الرئيس أنور السادات تعهدت بموجبه بالتخلي عن العنف السياسي. ومنذ ذلك الوقت، التزمت الجماعة بما تعهدت به، وما لبثت وعلى مدى عقود تشارك في الانتخابات البرلمانية، وقد فازت فعلا في الانتخابات البرلمانية في مصر عام 2011 وفي الانتخابات الرئاسية فيها في عام 2012. يرى بعض الناس أن من العوامل التي مكنت الإخوان من تحقيق هذه المكاسب الانتخابية: المال القطري، وموقف الجزيرة المؤيد للإخوان المسلمين، ونفوذ العناصر الإخوانية الأكبر سنا والتي تعيش في منفاها في الدوحة.

يمكن اتهام جماعة الإخوان المسلمين خلال الفترة من 2011 إلى 2013 بأنها بالغت في الثقة بنفسها وأساءت تقدير الموقف، ولكن لا يجوز بحال اتهامها بالإرهاب. ما من شك في أن انقلاب المشير عبد الفتاح السيسي في صيف 2013 مهدت له جموع الجماهير المصرية الساخطة على حكم الإخوان، وكان السيسي بحاجة إلى ذريعة فيما بعد حتى يحصل على الشرعية لحكومته. يحتمل أن يكون السيسي قد تشاور مع السعوديين حين أعلن جماعة الإخوان منظمة إرهابية. بعد ذلك، قتل منهم الآلاف وسجن عشرات الآلاف، وحاول جاهدا استئصال واحد من أكبر وأعرق الأحزاب السياسية المصرية. احتجت قطر على ذلك ومولت قناة فضائية مؤيدة للإخوان ومعارضة للسيسي، ولكن دون جدوى. أما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة فقد وقفتا إلى جانب السيسي وزودتاه هو وضباط الجيش بمساعدات بلغت مليارات الدولارات، رغم أنه ليس واضحا الآن إلى أين ذهبت كل تلك الأموال. 

إنها حكاية مفعمة بالنفاق. فطالما كانت دولة الإمارات العربية المتحدة أقرب مودة لإيران وأوثق علاقة بها من قطر. ويعتقد على نطاق واسع أن المصارف الإماراتية كانت تناط بها مهمة غسل الأموال لصالح إيران في سنوات العقوبات. ويعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة الآن ما يقرب من نصف مليون إيراني (علما بأن التعداد الإجمالي للسكان في الدولة يقترب من تسعة ملايين). بالمقابل، كانت تعيش في قطر جالية صغيرة من المغتربين الإيرانيين إلا أن معظم أفرادها شجعوا على المغادرة. 

من المحتمل جدا ألا يكون السبب الحقيقي وراء الحملة التي تشنها السعودية حاليا على قطر هو الرغبة في الانتقام من إيران حنقا عليها لما تسببت فيه من إقصاء للسعودية عن ساحات الفعل في كل من العراق وسوريا ولبنان. فلو كان ذلك هو الدافع لكان الأولى أن تصب المملكة العربية السعودية جام غضبها أولا وقبل كل شيء على آل مكتوم في دبي. إنما الدافع الحقيقي يكمن في الرؤية الشعبوية للإسلام كما تقدمها جماعة الإخوان المسلمين في مقابل السلفية السنية المتشددة والمناصرة للنظام الملكي السلطوي الذي يفضله آل سعود. في هذا الصراع، بين جماعة الإخوان التي أثبتت في كثير من الأوقات قدرتها على التعايش مع المؤسسات اللبرالية من جهة والمنظومة السلطوية السلفية من جهة أخرى، توجه إلى عائلة آل ثاني التي تحكم قطر التهمة بأنهم يمثلون "الأمراء الحمر".

ذا نيشين
0
التعليقات (0)

خبر عاجل